الكاتب آلان مابنكو متنقلاً بين الكونغو وفرنسا وأميركا إزالة الحواجز والعوائق حول «مفهوم الوطن»


يعيش الكاتب آلان مابنكو متنقلاً ما بين الكونغو حيث ولد وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية حيث يمارس مهنة الكتابة والتعليم الجامعي، وفي كتابه الجديد: «العالم هو لغتي» يكرّم معظم الروائيين والكتّاب الذين يحبهم والذين تركوا أثراً في حياته الأدبية كما أنه يفتح الباب أمام نقاش حول الهوية والانتماءات. وفي حديث له الى مجلة «لونوفيل أوبسرفاتور» يطرح القضايا التي عالجها في مؤلفه الأخير، وننقله كاملاً الى العربية:
[ من جمّعت في كتابك «العالم هو لغتي»؟
- مجموعة ناس، البعض قد عرفوا الشهرة والبعض الآخر من الناس غير المعروفين، ولكنهم جميعهم قد اتفقوا حول فكرة ازالة الحواجز والعوائق من حول مفهوم «الوطن». وليسوا جميعهم من نوع الكتّاب المنغلقين على أنفسهم وأعمالهم منفتحة على العالم وتحتفل بفكرة عولمة المخيلة وكل ما تنتجه المخيلة: لوكليزيو، داني لافريير، ادوار غليسّان، جان ميتولوس... ولكن أيضاً متشرّد في «نوفيل أورليان» أو مصمم أزياء من الكونغو من «شاتو روج». كل هذه «الشخصيات» في الكتاب تستخدم مخيلتها بمرونة كبيرة، وكل ما يهمها هو الانتقال، وقد فهمت أن الهوية لا تنزل علينا مثل نصّ أو مرسوم مُنزل لكنها نتيجة ثقافة اللقاءات والتبادل... وهذا الانفتاح على العالم لا نكتسبه سوى بالقراءة بالدرجة الأولى.
[ إذاً ثمة فائدة سياسية للقراءة؟
- أجل، وهنا تكمن مسؤولية السلطات الشعبية الفرنسية. ولو انهم فهموا من البداية أنه كان يتوجب عليهم ادراج صفحات اضافية في كتب التاريخ تحكي عن انجازات الغرباء المقيمين في فرنسا وكيفية مساعدتهم وبحدّية لانتشار فرنسا وثقافتها، لكان الفرنسيون قد كوّنوا فكرة مغايرة وصحيحة عن المهاجرين. ولكن على عكس ذلك، ولزمن طويل، بقيت سياسات الدول الأوروبية تختصر كلمة «مهاجر» أو «غريب» وكأنه العدو الشعبي رقم واحد أو كأنه غير المرغوب فيه لأنه لا مكان له في المجتمع حيث هو. ولكن في مراحل معيّنة، كانت أوروبا تبحث عن هذا الغريب ليأتي ويُقاتل في صفوفها دفاعاً عن الحرية على أساس أنها «الحرية العالمية».
وإلا، لكان المقاتل السنغالي بقي في السنغال، أو غيره في الكونغو أو في برازافيل التي كانت في مرحلة معيّنة عاصمة فرنسا الحرّة، وبالتالي عاصمة كل الفرنسيين خلال الاحتلال. هذه الأمور، لم يؤرخها أو لمن يتحدث فيها أحد. فلو أن ثقافة الآخر أو وجوده كمهاجر دخلت في صلب تأسيس الدولة الفرنسية أو لو كانت مكتوبة بشكل واضح ومنصف لها أمام أنظار كل الأجيال، لتفادينا مشاكل كثيرة تتعلق بمسألة المهاجرين أو بالتالي عدم القدرة على الاندماج في المجتمع الفرنسي.
[ يمكن القول إن هذه الفكرة هي نقيض التيار الذي دعى الى ضرورة تسجيل «الدور الايجابي للانتداب» في القوانين المرسومة؟
[ لا تقنعني الفرنكفونية
اعتقدت فرنسا انه يكفي أن نكتب المراسيم والقوانين كي يكون البيت منظماً. ولكن لا يمكن أن نضع الهوية في هذا الاطار، لأنها صعبة التحديد ومتحركة.
وأظن أن صورة فرنسا الجديدة ستكون في الحوار الذي عليها أن تجده مع الآخرين وتوسيع المشهدية التي كانت محدودة. في المناطق الناطقة باللغة الانكليزية، فالأخيرة يتكلمها الناس الذي يصلون من الهند مثل سلمان رشدي مثلاً من أصول باكستانية، أو أيضاً، حنيف قريشي، أو من أصول نيجيرية مثل تيجو كول. لكنهم لا زالوا يضعون الشعوب التي خضعت قديماً الى الانتداب وكأنها منقوصة أو غير قادرة على استيعاب «الحضارة» المزعومة. من هنا، لا تقنعني فكرة الفرنكوفونية وأرى أنها تحمل مراوغة للاستمرار في الانتداب. لماذا نعتبر مثلاً ليونارا ميّانو فرنكوفونية، في حين ليس ميشال هولبيك كذلك، أو سيرج جونكور؟
[ هناك عدد كبير من الكتّاب الأفريقيين في كتابك. وإذا تحدّثنا عن جيل سيزير وغليّان وسنغهور نجد أنهم كلهم ينتمون الى الأدب السياسي. كيف تصف جيلك؟
- إذا قرأنا دائماً ما بين السطور في نتاجات الكتّاب الأفريقيين، نجد دائماً ما يتعلق بالسياسة. ولكن يختلف الأمر في كيفية التعاطي مع السياسة. الذي ينتمون الى الجيل السابق ناضلوا من أجل تحرير افريقيا من نير الانتداب، أما نضالنا اليوم، فهو مختلف، علينا أن نُخرج الانتداب من عقولنا وأفكارنا كما علينا أن نعالج مشاكل أخرى طرأت بعد الاستقلالات للدول ورحيل الأبيض عنها: الدكتاتوريات، السياسة الافريقية، «الفرنسافريقية»، ودهاليز الانتخابات...
الكاتب هو ابن زمنه وبالتالي فهو يعالج بالكتابة المشاكل التي يواجهها. فكتّاب مثل سنغهور وسيزير وفانون.. أي أبناء ذاك الجيل لم يكونوا جاهزين لتلقّي فكرة أن جيل الافريقيين عينه الذي حرر أوروبا سيُطرد منها، كما لم يفهموا كيف ان مسألة الهوية أصبحت ذات أهمية بهذا المقدار. فهؤلاء الذين أعطيت أسماؤهم مثل سيزير وسنغهور وهوفوات – بوانييه كانت يعملون في السياسة أيضاً، لكن الأمور تغيّرت. وعلينا أن نتساءل حول الأسباب التي ساهمت في هذا التراجع بالنسبة للانسانية والقيم الانسانية التي عرفناها من قبل.
[ ولماذا تقول: الكتاب لم يعد البوق الذي ينطق باسم «المجتمعات الافريقية»؟
- لأنه كلما وقعنا في مشكلة في افريقيا، يتساءل الجميع: «وما رأي المثقف أو الكاتب؟» وثمة احساس بأنهم يحمّلون المثقف كل همّ تحرر الشعوب، لكن الكاتب ليس الله... وأنا كمواطن أكتب أحيانا لأسجّل موقفي ضد الظلم... وككاتب، لا أريد أن أمنع نفسي عن أيّ شيء. فإذا أحببت أن أكتب عن الثلج أو عن الربيع... فسأفعل.
[ اين يذهب المثقف الافريقي الشاب اليوم اذا كان يطمح الى الثقافة أو الفن؟
- الثقافة الافريقية – الأميركية هي الغالبة اليوم في افريقيا. فكل افريقي يرى مثالاً أمامه، كل الذين سبقوه: فأنا أمارس مهنة التعليم في أيمركا، كذلك آشيل مبامي وادوارد غليسّان أوماريز كوندين... لم تعد فرنسا هي فقط البلد الذي يطمح إليه الافريقي. كما ان الانتشار ينتقل صوب كندا وأميركا والى حدّ ما، بلجيكا.
[ كذلك ثمة وعظة في كتابك حول الانفتاح والانتقال في عالم اغلق حدوده ويناقش انتهاء صلاحية الجنسيات للذين يحملون جنسيتين. ما الذي يوحيه لك هذا الواقع؟
[ كتابي يرفض الهزيمة
أردت أن أضع كتاباً يرفض هذه الهزيمة. ولست محكوماً بأن استمع الى خطاب التراجع الذي تطلقه الفئة السياسية في فرنسا. وإذا استمعنا اليه، نجد في كلامهم أن القيم تضيع وان اللغة تتراجع وان فرنسا لم تعد تملك الاشعاع عالمياً. وكتابي هو ضد الخطابات التي يطلقها الميني الفرنسي المتطرف والقاسي حول الوطن والهوية الفرنسية، وهو هنا ليشرح كيف ان عائلة كبيرة يمكن أن تتألف من خلال لغة وأيضاً نتيجة انتهاء ثقافات.
وفي مواجهة الذين يتكلمون بخطاب التقسيم والطرح الناقص، أنا أتكلم بأهمية الجمع والاضافة. أنا متفائل: وكما كان يقول جايمس بالدوين، «الذين يظنون انه من المستحيل التحرك هم عادة الذين يقاطعهم هؤلاء الذين يتحركون».
ترجمة: كوليت مرشليان