عالية ممدوح بين فضاء المنفى وقوة الصداقة

كتب محمد برادة

تحمل عالية ممدوح في روايتها «المحبوبات» (دار الساقي)، ذاكرتها ووجدانها المكلومين الى فضاء روائي مختلف عن نصوصها السابقة، الى فضاء يقع في فلك متحرك، بين بين، لا ينحصر في أمكنة ثابتة أو داخل أسيجة تمتص حركيته، وتعطل انفتاحه الاحتمالي دوماً على دوائر متناسلة جراء تفاعل المشاعر والأفكار والفضاءات... يتصل حاضر رواية «المحبوبات» بالمهجر: فرنسا، أميركا، كندا، أما الماضي المنغرس في الذاكرة فيحضر عبر اللحظات المستعادة من خلال تداخل الأزمنة ذات الديمومة المتواشجة على رغم تباعد الأمكنة والأحداث

وينقسم النص، في شكله العام، الى مستويين: الأول يقوم على المشاهد السردية انطلاقاً من المرض الذي ألمّ بـ»سهيلة» وأدخلها في غيبوبة طويلة الأمد، ومجيء ابنها من كندا لزيارتها. ونادر هو الذي يسرد أحداث هذا القسم الأول، مستعيناً بأصوات صديقات سهيلة أو محبوباتها كما تسميهن. والقسم الثاني من الرواية يندرج ضمن عنوانين: يوميات ثم يوميات كندا، ويتخذ شكل خواطر وأفكار وتأملات سجلتها سهيلة قبل مرضها. وبقدر ما اتخذ القسم الأول طابع الرد وتقديم الشخصيات، بقدر ما اكتسى القسم الثاني طابع الاستبطان والإيغال في أسئلة الوجود ودلالات الحب والصداقة، لكن توزيع السرد بين منظورين هو في الآن نفسه اشارة الى وجود صوتين متصارعين ورؤيتين متباينتين تمثلهما ملامح الحبكة، ندرك بالفعل أن علاقة الأم بابنها تتميز بصراع مصدره هندية والهجرة الى كندا. هي متعلقة بابنها لأنه رافقها من العراق الى فرنسا عندما هربت من جحيم الوضع السياسي بعد اختفاء زوجها العسكري المتعاون مع النظام. وفي باريس ستكتشف ان عليها أن تكشف عن شخصيتها التي خنقها الزوج بجلفه وعنفه، وكذلك أبوها المسرحي الذي استعملها ليبني امجاده في عالم المسرح: «لا أعرف كيف أكون حرة. تلتهمني الحرية فأصاب بالرعب فعلاً. أخاف، هل كانت بانتظاري كل هذا الوقت وضمن هذه المسافات؟ كم تأخرت الحرية!» ص 242. كأن فشل سهيلة في زواجها وتجربتها كممثلة وراقصة، جعلها تُسقط حبها وارادتها على نادر الذي لم يكن يريد أن يظل سجين الماضي: «ان الأمر يفوق قدرتي على الاحتمال، هل كانت الوالدة من الماضي؟ أم أن الماضي هو الوالدة؟» ص 55.
الى جانب الأم وابنها، هناك المحبوبات، صديقات سهيلة اللائي تعرفت عليهن في فرنسا: نرجس، وجد، كارولين، سارة، أسماء، بلانش، رباب، تيسا... وهن ينتمين الى أوطان مختلفة، الا ان أواصر الصداقة بينهن تستظل بمناخ باريس الثقافي وبالرغبة المشتركة في ممارسة الحرية المسؤولة، وتعويض الاخفاق الايديولوجية بالدفاع عن حقوق الانسان والشعوب، ورفض الحرب والهيمنة... وراء كل واحدة من تلك المحبوبات، قصة تحفزها على مجاوزة الشروط الجائرة وتجديد الذات. ومن ثم تغدو الصداقة، بتعبيراتها المختلفة، سمة أساسية في هذه الرواية لأنها تفيض بأنثوية جميلة تتجلى في الاشارات المرهفة والتعبيرات الرقيقة من خلال تبادل الهدايا وحب الغناء والرقص، وتحضير الأكلات الشهية والحرص على تجميل الحياة اليومية... كأن حيز الصداقة بين سهيلة ومحبوباتها هو بديل عن الحياة المكرورة، الموصومة بالفقدان وذكريات العنف والحرب، ومصادرة الوطن.
لكن ضمن هذا البناء المتعدد الأصوات، تظل سهيلة محتلة للصدارة ويظل تعلق صديقاتها بها موحياً برمزية تتعدى صراعها مع ابنها ودخولها في غيبوبة طويلة. الا ان ما تحكيه عن تحربتها في باريس، يرجح كون سهيلة تحيل، في تحققها الروائي، على تجربة امرأة عراقية ترمم ذاتها وتستعيد حريتها عبر الصداقة والحب (تجربتها القصيرة مع الراقص فاو) وعبر الإنصات للأفكار الجديدة في المسرح والجامعة والكتب. وهذا ما يسعفها على التغلب نسبياً على الاحساس بالغيرة تجاه سونيا زوجة ابنها نادر. ثم ان الفضاء الكوسموبوليت الذي تتعايش داخله تلك النساء المهاجرات يغدو، في نهاية الأمر، مجالاً لاستيلاد قيم مغايرة ضمن شـروط يميّزها التشابـك والهجـانـة المخـصـبـة، والتـوق الى ابـتـداع ما يعوض خسران القضايا الكبيرة.
كيف نقرأ، اذاً، بعض دلالات «المحبوبات»؟
هذه رواية فضاؤها المنفى، لكنه منفى مفتوح على الامكانات المتعددة لأنه – خلافاً لوطن سهيلة – يعترف بقيمة الفرد وحقوقه ويتيح الحوار وحرية الرأي والاختيار. ومن ثم فإن سهيلة الفنانة، المثقفة التي نزحت من دون موارد ثابتة وواجهت الوحدة وقلق الكهولة، استطاعت مع ذلك أن تجدد نفسها وتلتقي حريتها داخل فضاء الصداقة الذي يسَّر لها أفقاً لمجاوزة الحاضر المحصور. ويتخذ المستقبل، في النص، بعد الاحتمال المحايث، المرتبط بتحمل أعباء الحرية (النضال داخل المنظمات الحقوقية، ممارسة الفن، التواصل مع الآخرين...). وهذا الفضاء المتحرر، في المهجر، هو الذي يجعل سهيلة تعطي دلالة جديدة للشرق بوصفه مجالاً يصهر العناصر المتباينة وتوليد حيز من التسامح الرحب: «وقفت وأشرت بيدي قائلة: كلنا من الشرق حتى كارولين السويدية. الشرق ليس الماضي أو البحث عن الزمن الضائع، هو مصب الحب حتى ولو كان حزيناً وساخناً وقاسياً يعتصر القلب من شدة بؤسه». كتبت سهيلة هذا الكلام قبل أن تدخل في غيبوبتها المديدة، لكن دفء الصديقات ومحبتهن ورعايتهن لها هو ما جعلها تستعيد بعض وعيها وتفتح عينيها لتتعرف على ابنها نادر الذي يهمس: «الأمر فعلاً بغاية الاثارة كيف تتجمّع طاقة الحب على هذه الصورة وتحرّض الأعصاب على الاستجابة؟» ص 181.
لكن، الى جانب هذه الدلالات ذات الطابع القيمي العام، تشتمل «المحبوبات» أساساً على بعدين متقابلين ومتفاعلين: الماضي الذي يملأ ذاكرة سهيلة، والمستقبل الذي يمثله نادر ويعيشه بتلقائية. الا ان التقابل بين الشخصيتين لا يظل حاداً، متباعداً، بل ان زمنية النص متحركة تستمزج الأحداث والمواقف وتُعدل الرؤية عند كل من سهيلة ونادر. فهذا الأخير حرص على ان يتخلص من عقابيل الماضي وأن يتحرر من حب أمه الاستحواذي ليتمكن من الاندماج في عالم الآخرين، متجاوزاً فشل تجربة حبه الأول، العاصف مع «ليل». الا انه عندما مرضت أمه اكتشف محبته لها من خلال حدب المحبوبات وعواطفهن السخية التي جعلته، أول الأمر، يحس بالغيرة تجاههن, وشيئاً فشيئاً تتبدد الاحتزازات ويتبين ان محبتهن شملته هو الآخر وشرعت أمامه أفقاً آخر يتصالح فيه الماضي مع المستقبل.
وفي المقابل، لا تظل سهيلة مشدودة الى جروح الماضي، انها على رغم شعورها بامارات الكهولة، تتشبث بالحياة، وتعيش حاضرها بزخم واندفاع فينفتح قلبها لفاو الذي فتنها بحضوره وتلقائيته، وتُقبل على مراجعة مسارها من منظور وجودي يضعها أمام أسئلة الحرية الصعبة. انها تواجه وجودها في المنفى، من دون أقنعة ولا رتوش، فيتلاشى التعالي الموروث ويستعيد وجودها تجلياته الحقيقية لأن أفعالها تغدو محايثة لذاتها، لا تكف عن التبلور واكتشاف تعدد الذوات داخل الذات الواحدة: «... أكون على النقيض دائماً ويستمر البحث عن الوجه: وجهي. وهكذا كلما تقدم بي العمر كنت أودع أحد الوجوه، أوفق أحياناً وفي أغلب الأحيان لا، لكنني دائماً أهتدي الى شيء مغاير، كأنني موسيقى ليس بمقدور أحد الإمساك بها، لكن الجميع كان يتمايل وهو يصغي اليها» ص16.
تبدو «المحبوبات» بمحكياتها وشخوصها ولغتها الدقيقة المتدفقة أشبه بمقطوعة موسيقية متعددة النغمات والمقامات والأصوات لكنها تتضافر لتعزف لحن الصداقة الجميل، وتسترجع لحظات من حيوات أصبح المهجر مأواها، والعالم المفتوح على الاحتمالات أفقاً لها.
محمد برادة ناقد مغربي المقال نقلا عن صحيفة الحياة