محبوبات عالية ممدوح.. ذاكرة مدمنة على الألم

رولا حسن

عبر صوت من أصوات المنفى الواسع الذي يضج بالشتات العراقي تقول الروائية العراقية «عالية ممدوح» المنفى في رائعتها «محبوبات» عبر شخصيتها المحورية المغتربة العراقية «سهيلة أحمد»، التي يدور في فلكها كوكبة من المنفيات على امتداد الوطن العربي يُمثِّلن «المحبوبات»، حيثُ تُقدِّم كلُّ منهن صورةً سردية للمنفى وفضاءً مختلفاً عن فضاءاتهم الأصلية، عوالم أخرى انتقلوا إليها قسراً كائنات لم تستطع التكيف مع القهر والديكتاتورية للسلطات الحاكمة، ليجدوا أنفسهم عالقين بين وطن بقي في القلب ومنفى لم يحمل لهم السكينة والهدوء التي فرُّوا من أجلها.حيث تسقط «محبوبات» «عالية ممدوح» في منطقة وسطى تقع ما بين الوطن والمنفى،

منطقة لا تتواءم مع المكان الجديد، ولا هي متحررة من المكان القديم.
«سهيلة أحمد» تسقط في إحدى شوارع باريس إثر جلطة دماغية وتُنقل إلى المستشفى ولا يدلُّ عليها شيء سوى أسماء بعض المعارف القدامى ودفتر هواتف باللغة العربية، وتحت سماء الغيبوبة التي تدخل فيها سهيلة نتعرَّف إلى ابنها «نادرآدم» الذي يأتي لعيادتها من كندا، وهو الذكر الواضح في الرواية الذي نتعرَّف على شخصيته وتفصيلات حياته، حين يتداعى وتتداخل مع صوته السردي مختلف الأصوات السردية الأخرى التي تظهر بشكل مونولوجات وتداعيات وحوارات ورسائل..
هي الطريقة ذاتها التي نتعرَّف بها على «سهيلة أحمد» المتزوِّجة من ضابط صارم في الجيش العراقي، والذي لم تعد تعرف إن كان على قيد الحياة أم لا، تشترك «سهيلة» مع «محبوبات» الداخل في وقوعها تحت العنف الذكوري، ومع ذلك كانت تنظر هي ومحبوباتها إلى الآخر السلطوي الذكوري بنظرة ملؤها الإشفاق لشعورهن بأن ما يرتكب بحقهِّن من عنف وتعسُّف لا يصدر إلا عن نفوس مريضة.. نفوس مملوءة بالجهل والظلامية التي جرى توطينها عبر قرون من التعنيف القائم على الاستلاب والإقصاء.

«أنا لم يخرجني الضرب المبرِّح عن طوعي، أما تلك الكلمات: الكبرياء، الكرامة، والنحيب حتى ساعة متأخرة من الليل، جميع تلك المفردات لا معنى لها، كان استياؤنا صادراً عن رأفة بهم ليس إلا. الشيء المذهل أننا كنسوة نبدو كأننا صفحنا عن كلِّ شيء، الألم الشديد، الرفس في القفا، والهراوات العسكرية.. » يشعرون بلذة طاغية حين يشاهدوننا نستعدُّ للفرار من أمامهم.. نتجلَّد ونهزأ منهم حتى يسأموا ويكفُّوا. (ص9)، هذه القدرة الهائلة على التحمُّل لا بد أن يوازيها عمل ما على المستوى النفسي. «فسهيلة» مثلاً تتشبث بالرقص كمعادل أنطولوجي وكرد غير مباشر ولخلق حالة من التوازن.. وبحث جدِّي عن وجود فعلي خاص بها «كنت أرقص.. كي أرفض من خلال الرقص أموراً شتى». (ص10)، حيث يلعب الرقص هنا دور المصل المضاد للموت على المستوى الوجودي.
كما جاء على لسان إحدى محبوباتها الدكتورة «وجد»: «لقد آمنت بأن الرقص يزيد من مناعتها تجاه القهر الذي تعانيه، ويقوِّي الاختيار مابين الحياة والفناء، لذلك أدمنته»، (ص78).
لم يكن الرقص هو المضاد المناعي الوحيد للمنفى والقهر، وإنما إقامة صداقات أشبه ما تكون بعلاقات يوتوبية لتجاوزها بسهولة، اختلاف الثقافة بين المحبوبات، فهناك «كارولين السويدية، وجد المصرية، نرجس اللبنانية، بلانش العراقية المسيحية.. الخ».
تنتهي الرواية بحجب الروائية نتيجة الحالة الصحية لسهيلة مكتفية بتكهُّنات الأطباء.. بالشفاء التام أو النسبي للإبقاء على حالة التأزم الدرامي متنقلة إلى فصول أخرى.
تبدو الإشارة واضحة إلى زمن الرواية ـ هو فترة حكم الديكتاتور صدام حسين ـ وقبيل احتلال العراق.. وذلك من خلال الأخبار التي كانت تزوِّدنا بها الخطابات المتراكمة للمحبوبات، كالحاملات العسكرية ضد العراق، والتنكيل بالشعب العراقي وأوضاعه المزرية.. وتأثير ذلك على الوضع النفسي «لسهيلة» في المنفى الذي بقي يشوبه شيء من الحرارة على الرغم من الأمان النسبي الذي كانت تشعر به.
«لا أفهم ما يدور حولي.. كأنني بلا ذاكرة بلا آباء، بلا أسلاف، بلا تاريخ، كأنني لم أحيَ من قبل» (ص130).
«أرعبتني الحرية.. لا أعرف ماذا أفعل بها.. كم تأخرت الحرية» ص244.
تنقسم الرواية إلى ثلاثة أجزاء: الأول من دون عنوان، والثاني يوميات، والثالث مذكرات كندا.
ينطلق من كلِّ قسم نقطة مختلفة، وغير محدودة درامياً، حيث يستمر السرد على مستوى الرواية عبر جملة من المونولوجات والتداعيات التي جاءت على شكل رسائل وخطابات متبادلة بين المحبوبات، و«نادر» الذي يبدو للوهلة الأولى وكأنه السارد الرئيسي، إلا أنه سرعان ما يتنحَّى ليفسح لباقي الشخصيات أن تأخذ دورها في السرد أيضاً عبر خطابات ومونولوج يتداخل مع سرد الشخصية المحورية، وتملك الفراغات المتروكة التي لا تكمن محوريتها من شغلها لأكبر مساحة في السرد، وإنما من كونها محور الرواية.
تفتت «عالية ممدوح» في «محبوبات» البؤرة المركزية للسرد إلى شذرات عبر لغة متماسكة تميل أحياناً إلى الاستطراد، أو الاختزال، وتميل في أحايين كثيرة إلى الاستفاضة نظراً لكثرة الخطوط السردية، لوفرة الرواة.

ويتفق استخدام «عالية ممدوح» لتقنية التداعي لما تمَّ طرحه من عوالم المنفى وأجوائه المدمِّرة على الصعيد النفسي، والاجتماعي، وما تفرزه من تشظٍ واضطراب ومنزلقات فوق أرض لا تتَّسم بالثبات، ولا تسمح بتكوين وجود حقيقي، وإنما يخلق ذاكرة فريدة من حيث إدمانها البؤس والألم.