كسرالقيود الحريرية والحديدية في كتابة المرأة (3)


 وكالة أخبار المرأة
مصطلح الجرأة حين نصف به عملا أدبيا وخاصة العمل الذي تكتبه المرأة فإننا نعني به أن الكاتبة فكت عن أصابعها وفكرها قيودا حريرية وحديدية كثيرة وهي تكتب، لكن مفهوم الجرأة يختلف من كتابة إلى أخرى ومن مجتمع إلى آخر ومن متلق إلى آخر أيضا، فكلمة "أحبك" مثلا في كتابة المرأة قد يعتبرها قاريء منتهى الجرأة، والخروج عن المألوف في حين قد يعتبرها آخر كلمة عادية ولا تشير إلى الجرأة واجتراح الممنوعات.
كتابة الجسد هي محاولات قامت بها بعض الكاتبات العربيات للتعرف على هذا المفهوم الذي ظلت الرؤية الذكورية تسيطر على جوانبه وتخضعه لثقافة أحادية يتسلط فيها الرجل ويخضعها لقوانينه الخاصة بحيث ظهرت الأنثى في الرؤية الذكورية لموضوعة الجسد كمتلق للفعل الجنسي ومفعولا به، ولم تحضر كذات مؤثرة وفاعلة.
في السنوات الأخيرة حضر الجسد في الكتابات النسائية التي اتصفت بالجرأة لتندد بقهر الرجل وتفصح عن رغبتها في كشف الممارسات التي تتم على جسد المرأة أو التي تركز على تكريس الأنوثة في الجسد فقط، أو التي تقيد جسد المرأة درءا للإثم بمقابل حرية الرجل في ممارسة حريته الجسدية الكاملة والتعبير عن هذه الحرية وعما يريده وما يرغب به في جسد المرأة.
الكاتبات الجريئات كما تم وصفهن هن اللواتي خطون بلا خوف من أي رقيب تجاه وصف الجسد والحواس في كتاباتهن وجعلن جسد المرأة راغبا وفاعلا في محاولة لتغيير الصورة النمطية للعلاقة الجنسية في أغلب كتابات الرجل عن المرأة وحتى تلك الصورة الراسخة في الأذهان عن اعتبار المرأة جسدا متلقيا للفعل الجنسي فقط.
الروائية العراقية عالية ممدوح التي ولدت في بغداد عام 1944، وصفت أعمالها الروائية العديدة بالجرأة ومحاولة كسر المألوف والمحرم في التطرق إلى موضوعة الجنس في كتاباتها.
روايتها "التشهي" الصادرة عام 2007 تصور فيها الجنس على أنه المحرك والعنصر الإنساني الأكثر تأثيرا في مختلف جوانب الحياة السياسية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية، فبطل الرواية سرمد برهان الدين رجل فقد قدرته الجنسية إثر تعرضه لسمنة زائدة، وفي محاولاته اليائسة لاستيعاب الوضع الجديد الذي طرأ على حياته، يسترجع برهان الدين تجاربه الجنسية مع نساء كثيرات.
وتصف الروائية مضاجعات البطل مع النساء فقد قدمت لنا الكاتبة وصفا حسيا لعلاقة برهان الدين بفيونا الأربعينية الشبقة التي التقطته في عز شبابه، وفي مكان من وصفها للمضاجعة حيث كتبت بدقة تفاصيل حميمية يقول البطل لشريكته في السرير "اللغة أخطر وسيط في المضاجعة".
وفي جزء من الرواية حيث يستعيد برهان الدين ذكرياته مع زميلته ألف في الجامعة "آه يا سرمد الجنسُ معك يشبه التحريض ضد كل شيء كلا، ليس هو الثورة أو التمرد كما تقولون في السياسة الجنسُ معك يتبدل وينقلب من حالٍ إلى حال فيجعل أشيائي الصغيرة في داخلي تنتقلُ من مكانها لا أعرف إذا كان دقيقاً القول، ربما كان الشغف هو الذي يسمح لنا دوْماً برؤية شيء جديد في داخلنا".
ثم تأتي نساء أخريات في الرواية ويكون الجنس هو الفلك الذي تجري فيه الأحداث، حيث يختلط بالسياسة والأحزاب والمنفى والذكريات التي ينتزعها برهان الدين ليشد من عزيمته ويثبث لنفسه رجولة كانت بعد تقاعده الجنسي "أخيراً هزمه جسده بعد تاريخ حافل بالهزائم".
وعلى الرغم من كثرة المشاهد والتفاصيل التي تصف المضاجعات بلغة مباشرة فإن الروائية قاربت بين عجز الشخصية الجنسي بعد تاريخ حافل بالتجارب الكثيرة وعجز العراق عن الخروج من أزمته ومشاكله وتشظيه.
يقول برهان الدين عن عجزه "اللعنة على البرودة الجنسية والصعوبة الجنسية والمبادرة الجنسية آه، كم استخدمتني كيتا والبيضاوية كم تعرّيتُ أمامهنّ وأمام شاندي، هي الأخرى تستخدمني من أجل أبحاثها وتعاليمها فلم أعد قادراً على لعب دوري ولا العودة من حيث بدأت".
وقد قالت عالية ممدوح لوكالة الأنباء الفرنسية، عن تكريسها الجنس في هذا العمل كمحرك أساسي في الحياة إن "موضوع الجنس كجبروت سلطوي قد يؤسس للقتل بمعانيه المجازية والإجرائية والفعلية أثارني وما زال".
وأضافت قائلة: "حاولت الاشتغال على شخصيات خربها الفساد والتدليس ما بين قوتين مهلكتين الجنس والسياسة من خلال رجل شيوعي ورجل مخابرات عراقي".
وبسبب وصفها المكثف للجنس في هذه الرواية وفي غيرها فقد منعت رواياتها من التداول، تقول الكاتبة في إحدى مقابلاتها مع مجلة نزوى الثقافية "كتبي شخصيا كلها ممنوعة في بلدي وفي بلدان عربية لا أقدر على تعدادها، وأنا شخصيا ممنوعة لزيارة بلدان عربية لأنني لا أملك جواز سفر عراقي".
وقد لاقت عالية الممدوح هجوما من كثير من المسؤولين عن الثقافة في بلدها، واستهجانا من مثقفين ونقاد وقراء على جرأتها، وعانت من هذا الهجوم واضطرت لخوض حروب ثقافية للدفاع عن آرائها وكتاباتها، كيف لا والجنس أحد المحرمات التي لا يجرؤ الكثير من الكتاب الرجال على الخوض فيها، فكيف للمرأة اختراق الممنوعات والتعبير عن الجنس أحد المحظورات المهمة في مجتمعاتنا العربية.

http://www.c-we.org/ar/s.news.asp?t=3&nid=2204172