"" أرض اليمبوس "" وكتابة الرمق الأخير

عالية ممدوح

ــ 1 ــ
يضع الروائي والصديق إلياس فركوح علامات للطريق التي علينا أن نذهب إليها ونحن نقرأ روايته الجميلة والجديدة ، الصادرة عن دارين ، دار أزمنة بيت الكاتب ذاته  وعن المؤسسة العربية للدراسة والنشر . طريفة فكرة  صدور رواية عن منزلين ومكانين لكل واحد منهما أشعته وجاذبيته ،  امتيازات وفوارق . الداران عزيزتان عليّ بما يتبادلان من أنخاب وإصدارات وعناوين مهمة .

كنت أوصي على بعضها من الأصدقاء القاطنين في عمان . حين وصلتني رواية فركوح ـ أرض اليمبوس ـ بالبريد أستفزني غلافها كثيرا . نصف كتف من مخلوق بشري بذراع ممدودة وتحت الإبط وعلى طول الكتف  نبتت زهورا ، بالضبط ، كأنها زرعت قبل الميلاد وحان قطافها الآن  . نبقى فوق وتلاحقني الورود أو النباتات وأشعر ان ما أراه يخيفني ، ويلاحقني ويدعني الأحق أشارة ما ، عن  انهيار  ما ، للكاتب  أو  للقارىء . هي لوحة صادمة للبولندي "" فيسلاف فالكوسكي "" غلاف  لا يفتأ يخزك   . فأبقى أتساءل ؛ وجه من  يكون صاحب اللوحة  هذه  ؟ حسنا سأبحث عنه  وأنا ارتد إلى داخل الرواية .
ــ 2 ـ
نتحادث كثيرا إلياس وأنا بالهاتف فهو لا يفضل البريد الالكتروني ، فلنقل هو أكثر كسلا مني في هذا الشأن ولذلك نتحاور هاتفيا ولقد أخبرته أن هناك بعض الشذرات اللطيفة ما بين روايتنا هو وأنا ، فوالد السيد الراوي خياط ووالد السيد سرمد برهان الدين في روايتي التشهي خياط أيضا . استهوتني تلك الإشارات المكتوبة من الروائي بمن استعان واقتبس و .. و .. لكن لم أر نفعا قط بالقول كما لو كنا نشاهد ذلك في بعض الأفلام العالمية والعربية من أن جميع الشخصيات لا صلة لها بالواقع الخ .  ولو أن المؤلف لحق نفسه وذكر : "" على ان جنوحات الحياة أشد غرابة من أجنحة الخيال .. الخ .. ""  اليمبوس هي المنطقة الوسط حسب المفهوم الكاثوليكي أو الثالثة ما بين الجنة والجحيم . أفرد دانتي لها جزءا كبيرا من عمله الأشهر الكوميديا الإلهية كما بورخيس .. "" ضمائر تتناوب ، شخصان هما وربما أكثر ، هو وأنت  في الرواية ، الغائب والمخاطب ثم نعود لضمير المتكلم ، وإذن ، كل الضمائر تنتظم في هذه الرواية بدءا  من الضمير الذي يريد أو يصر أن يكون مناضلا حتى ولو بصورة خرقاء وانتهاء بضمير المريض الذي يدون كل هذا قبل إسدال الستارة .
ــ 3 ــ
حوار ، إيماءات ، مقاضاة ، تهذيب فوق العادة . نفسيا واجرائيا هما ذات واحدة أو أن احدهما مضادة للثانية . الأولى مريضة  تدخل المشافي بانتظار فعل ما والثانية تتذكر وتدون وتنتظر المغادرة والرحيل ، الأولى ساخنة سبارطية  شهوانية تراود وتطارد ، تنتصر وتندحر لكنها تواصل . والثانية ترتقب وترتعب ويراودها الشك دائما . الانتقال باللغة أيضا ما بين الوهج الميثولوجي الأسطوري الذي يتفوح ويتموج حين يكون الراوي هناك ، ما بين الجنة والنار . تتغير الأنفاس والحروف وربما الحقائق "" تفتحت زهرة بلوغك وكنت في القدس ، منفاك أو سجنك بالقسم الداخلي لمدرسة الفرير . طفرت مراهقتك بغتة فمارستها سرا فهلا تساءلت عما جمع في تجاربك كلها  ،  بين الحرب والمرأة ؟ "" أفكار الحب الملغوم والمرأة المشتهاة والنضال السري وبعث هذه الأمة ورفعة الرأس بالنضال الفلسطيني ، بفضائل اليسار وتشي غيفارا والتلذذ بالخسارات حتى ، فالهزيمة لدى بعض الشعوب ـ مثلنا ـ نوع من الغريزة أو الفطنة البشرية ، هزائمنا لا تحصى حتى ليبدو لي أننا نشعر بلذة خفية حين يتم اقتسامها ما بين الكائن والقارىْ ، ما بين الاثنين والمجموع  العام .
ــ4 ــ
الراوي يدون ما بين الحروب  هو على وشك الزوال  والحروب تتناسل ، تتوغل "" مثل قيامتها الخاطفة ، كانت نهايتها ، تلك كانت ما ظننتها حربك ، كانت خاسرة""
المرأة كالحرب . مريم تتحول إلى ماسة ، ومريم أيضا لها الحنو المريمي القدسي الأول ، ولها السطوة أيضا حين تكون مجرد أنثى . غريزة دموية ودامية وهي ليست كالغرائز الأخرى كالخوف والموت والجوع الخ . يخسر الراوي في عموم حروبه . غريب ، ولماذا ينتصر الرجل أصلا ؟ ولماذا لا تخسر المرأة أيضا . الخسارة لم تنحرف يوما عن طريقها والنصر ببعيد جدا . النصر مع المرأة ، مع المرة الأولى للوصال الشفيف الذي لا يمضي ولا ينسى قط ، للحب واللمس أو ...  والذي يستحق أن نفرد له جميع الصفحات والروايات والمذاقات وذاك الرثاء الذي يصل في بعض الصفحات إلى حدود الوجع والألم والحنق "" رجعت لنعيش رجفة الملامسات السرية . لازالت أصابعي  تنمل حين اتذكر عملنا على تعبئة  الحكاية بتفصيل جديد نستحق أن نعيش على ذكراه طوال ثلاثين سنة قادمة "" ما ان يبدأ الراوي حتى يمحو ويعاود . الاثنان يتبادلان السرد والاختفاء ، الظهور وضفر نسيج هذا العمل الفاتن . كم يشبه إلياس ذاته ، كما أعرفه ، كم هو جميل أن أرى الكاتب خلف ووراء وأمام وفي بطن ما يدون ، أي عكس ما  يقول النقد ، يسلمني جمر فؤاده قائلا لي : هاك ، خذي ما تشائين ودعي ما تشائين فانا أنت .
ــ 5 ــ
"" أنا صاحب مريم ، ومريم صاحبتي الأولى ولي اسم اقتبسه أبي من معجم القديسين المحفوظ في ذاكرته وأطلقه  عليّ . لم أستطع تحمل تبعات الإسم . إنها ثقيلة فادحة ، ولست أنا سوى بشري لا يطمح إلى ان يكون أكثر من ذلك "" أنا أيضا أهتممت بالاسماء في عموم رواياتي ورجاء عالم وعلوية صبح وسلوى بكر وإلياس خوري ورشيد الضعيف الخ . يتفنن فركوح ما بين الدارجة ذات الطزاجة الفورية وبين أقصى درجات شعرية تغرف من الكتب المقدسة والأخيار البربرة وأصحاب الكرامات . قرين الراوي يساعده في ترتيب الدقة والتمييز ما بين العناقات الوجلة وطلقات آخر الليل .     ""ومثلما تدرك مرض ، أنت مريض ، بمعنى ما ، تغيب أشياء منك فأضطر أنا لاستحضارها ، أملأ الفراغات في جملك الناقصة وأنوب عنك في عرض المحذوف . "" أظن ان إلياس فركوح قد قدم لنا حياته ولو انه كان على ما أظن يشعر وهو يكتب كأنه في الرمق الأخير "" هي مجرد محاولة منا ، نحن الاثنين لاستعادة ماضينا أو ما نقدر على استعادته بالاحرى ، كي لا نقضي ونموت تحت وطأة ما نختزن في تجاويف الذاكرة ، في غور الصدر في شغاف القلب "" والسياسة تلاحق أثرنا ونحن نظل نسير وراءها . أبتسمت وحزنت وأنا أقرأ كيف يتدلى النضال ويبدو  كدور على أحدنا ان يلعبه ، كما لو كنا داخل مسرح أو ملعب رياضي :
ـ لست من هناك ، أنا من عمان .
ـ طيب ، أنت لست منا ، فلماذا تريد ان تكون معنا ؟ "" معهم ، أي مع القضية الفلسطينية هو الاردني أو ... لطمتني هذه السطور فخرست ، يبدو لي ، يومها انفصلت ذات الراوي  وانفلقت  إلى ذاتين   فنلتقي بالاثنين في السرد والبوح والاعتراف وفعل التدوين . وجهان حقيقيان صريحان مدميان مع الاحتمال الدائم بفقدان احدهما ؛ ذاك البروجوازي الصغير المنسي ، أو ذاك اليساري الخجول والحيي الذي يخاف أن  تسرق حياته وأحلامه . كثيرة  هي   المفاصل في  هذه الرواية ، السيد خضر الذي يفّرغ أشرطته الراوي ذاهبا إلى الأرض الحرام ، القدس . الجغرافيا تنتهك أمامنا كما ان رصيف التاريخ  امتلأ بالجثث والقتلة والفاسدين . العالم كله حاضر في هذا العمل ، الأفلام الأمريكية والكتاب الاوائل ، الإنجيل والست مريم أم النصراني الجميل ، والحياة نهبت من الراوي وهذا الأخير رجل مؤدب ، مهذب جدا فوجدت نفسي أطلق ضحكا عالي الصوت  حين أصل إلى مقاطع عن الوصال الجسدي ما بين عاشقين وكأنه وصال يجري بالثياب الرسمية وأمام الحشود الجماهيرية . هنا ظهرت طهرانية المؤلف المسيحية إلى حد ما بالرغم من محاولاته المضنية لكي يبدو متوغلا وفجا أكثر ومتورطا أكثر في خفايا الجسد . أفعال الجنس ، المواقعة والنكاح لا يجوز أيرادها هكذا روائيا ألا عبر العلاقة الشرعية ما بين الازواج ، اما في العلاقات الحرة  فهو الجماع أو المضاجعة  الخ  . أفرد للصديق الروائي أعجابي بالخلاصات الفكرية التي تخص علاقة المثقف المبدع بالمرأة ، يدون ذلك ولا يحجز أية كلمة ضده كذكر بالدرجة الأولى . لا يغلق الباب على فحولته ولا يتحدث عنها كصاعقة لكنه يدع اقتراحات المرأة ، الحبيبة بالدرجة الأولى تتصدر رأسه وقلبه فيعطيها المساحة والدقائق والبهجة وجوهر الوجود . كما اسجل افتتاني بالنص لغويا وبدون ارتكاب أي خطأ ومن أي نوع على العكس ما ينشره الكتاب والكاتبات  من كتب حاشدة بما لا يتصور انه مر على صاحب الدار  وكيف مر بهذه الخفة والعجلة . أزعم ان فركوح هو  أصلا  مفتون باللغة العربية فجميع إصدارات دار أزمنة لا تجرح العين لخلوها  من أي نوع من الاخطاء .
"" تفتش فيّ عن امرأة نموذج تكتب عنها . تعريني كي تعريها بحذق في الكتابة . تملؤني بالحديث كيما ترصد ردات فعلي للكشف عن المرأة في روايتك . أنت تبحث عن موضوع ولا تسعى وراء حب . تنقب عن المرأة التي عذبتك وتغفل عن حضني الذي ضمك . أنت المطفأ حتى ولو اشعلتني أو ...  أو .. " .