حبل الغسيل يزحزح الزوج المصري ... من برج الرجولة العاجي


 القاهرة – أمينة خيري
ينجزونها سراً، لكن ينكرونها علناً. منهم من يجاهر بالمشاركة والمعاونة والمؤازرة، لكن بعد وضع عشرات الخطوط تحت عبارة «حين تكون الست مريضة» أو «في حالة ولادة»، أو «لديها حالة وفاة في أسرتها» أو «على وشك الوفاة». ومنهم من يجادل في مسألة المشاركة على إنها ليست محرّمة دينياً، وإن كانت معيبة إجتماعياً، معرّياً فضائل الذكورة وكاشفاً محاسن الفحولة ومؤكّداً على مناقب الرجل كما ينبغي أن يكون. وهناك من يدخل في سجالات عميقة حول الفروق الجوهرية والإختلافات البيولوجية والتفاوتات الكيميائية وكلها يحول دون المشاركة أو المعاضدة. ويبقى هناك فريق أخير أقل عدداً وشهرة وأخفت صوتاً يجاهر أعضاؤه بكمال المشاركة والمؤازرة، بما في ذلك المسكوت عنه على مدار التاريخ مفجّر الفضائح ومغذّي النمائم، ألا وهو نشر الغسيل.
ويظل نشر الغسيل أحد أكبر المعضلات وأعمقها وأفظع الواجبات التي تواجه المتزوجين في القرن الحالي، الذي يتميّز بأفق ذكوري أوسع ونشاط زوجي أرحب وإنهيار الجدار العازل بين الرجل وأعمال البيت. المتزوجون، لا سيما أولئك الذين تزوّجوا في ظل إنهيار منظومة البيت الذي يمكن فتحه بدخل واحد، باتوا أكثر تقبّلاً لفكرة مدّ يد العون للزوجات «العاملات» في أعمال البيت، وإن ظل القيام بالمهام يراوح بين القرف والقرف الشديد والإضطرار وأخيراً الرضا والسعادة.
«أشعر بالرضا والسعادة حين تطلب مني زوجتي أن أساعدها في بعض من أعمال البيت. فقد رزقنا الله بتوأم قبل شهرين، وهي تكاد لا تنام بسبب بكائهما المستمر. وعلى رغم إنها حصلت على إجازة لمدة عام من عملها لتتفرغ لرعايتهما، إلا أنني أرى أن مساعدتي لها واجب وليست منّة أو منحة». ولولا تذييل هذه الكلمات الرائعة بـ»ولكنني الحقيقة لا أفقه شيئاً في المطبخ أو النظافة، لذا أكتفي بغسل الصحون ورعاية الطفلين كلما سنح الوقت (الذي لا يسنح عادة)»، لكان أحمد عماد (32 سنة) زوجاً مثالياً يستحق الترشّح لنيل جائزة «نوبل» في الفيزياء الزوجية.
وإذا كان علم الفيزياء يحاول فهم الظواهر الطبيعية، وصوغها في قوانين وتتنبأ بما يمكن أن يجري من عمليات طبيعية بنماذج تقترب من الواقع رويداً، فإن علم الفيزياء الزوجي في حال تغيّر مستمر في محاولة لفهم طبيعة ما يجري من عمليات والتنبؤ بما يمكن أن يحدث مستقبلاً.
حسين فتحي (62 سنة) يحمد الله كثيراً أن عمره لن يسمح له بمعايشة أكبر للخراب الذي لحق بتقسيم الأدوار بين الزوجين. يتذكّر أنه لم يتخلَ يوماً عن منظومة الأدوار غير واجبة الإختلاط، وذلك بإستثناء المرحلة الأخيرة من مرض زوجته حين دخل المطبخ وغسل الصحون وأعدّ لها ما تيسّر من مشروب. يقول: «كل شيء في الكون له دور وأطر وحدود، وحين بدأنا نتلاعب في التقسيمة الطبيعية بدأ الكون ينهار، وهو ما يحدث حالياً في ظواهر التغيّر المناخي ونضوب الموارد والعلاقة بين الأزواج».
العلاقة بين الأزواج في العام الـ15 من الألفية الثالثة، حيث تقسيم الأدوار، لم تعد تخضع لمعايير مدرسة «سي السيد» الآمر الناهي و»أمينة» الممتثلة غير القادرة على أن تبرح بيتها من دون إذن مسبق منه. فقد نزلت «أمينة» إلى سوق العمل، سواء بسبب إرتفاع نسبة التعليم وبزوغ شمس المرأة الباحثة عن تحقيق ذاتها في مجال العمل، أو تضخّم المشكلات الإقتصادية وتفجّر لغم النساء المعيلات الذي بلغ حوالى 35 في المئة من البيوت المصرية. كما إضمحل «سي السيد» تحت وطأة الإقتصاد تارة، وتقوية شوكة النساء طوراً، وإنقلاب منظومة الرجولة بأكلمها رأساً على عقب.
عقب إنهيار الطبقة المتوسطة في مصر بعدما جثمت على أنفاسها الطبقة العليا بقيمها وضغطت عليها الطبقات الدنيا بسلوكياتها، تعرّض مفهوم الرجولة لهزة عنيفة، حيث تحولت الرجولة في أحيان كثيرة إلى ظاهرة صوتية وأحياناً تعبّر عن نفسها بالعنف لسدّ ثغرة هنا أو عقدة هناك.
أستاذ الأمراض العصبية والنفسية الدكتور عصام عبدالمنعم يقول أن مفهوم الرجولة في مصر يتعرّض لهزة عنيفة منذ سنوات، «فالرجل المصري ظل يتربى على أنه مميز عن الأنثى ومتفوّق عليها وأذكى منها ويتمتّع بقدر أكبر من الحرية والفهم، وذلك من دون سند علمي أو واقعي. وفجأة تعلّمت البنت وأطلقت العنان لقدراتها سواء العلمية أو العملية أو حتى في إتخاذ القرارات (وهو الحق الذي سلبه إياها الرجل طوال عقود)، فإذ بها تتسبب في زلزال عنيف في صورة الرجل عن نفسه، ناهيك عن تزايد أعداد النساء اللاتي ينفقن على أسرهن». ويضيف عبد المنعم أن ردّ فعل الرجال على ما حدث تـراوح بيــــن الدفاع عن مفهومهم الرجولة من طـــريـــق الهجوم حيث تزايد نسب العنف الأسري مثلاً، أو الإذعان وربما الإقتناع بما يجري وتنامي الإستعداد للمشاركة الحقيقية في الحياة الزوجية.
وتبقى المشاركة في الحياة الزوجية حقيقة واقعة، شاء من شاء وأبى من أبى، واعترف من إعترف وأنـــكر من أنكر. صحيح أن الجانب الأكبر من أعمال البيــت يظل من صميم إختصاص الزوجة، حتى لو كانت عاملة، وساعات عملها طويلة، لكن زحزحة الرجل من على برج الرجولة العاجي حيث لا جلي للصحون أو كي للملابس أو طهي للغذاء، أو تحضير للفطار أمر بالغ الصعوبة وواجب التشجيع، حتى ولو ظل ينشر الغسيل سراً أو محتمياً بالليل البهيم.

http://www.alhayat.com/Articles/11921986/%D8%AD%D8%A8%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B3%D9%8A%D9%84-%D9%8A%D8%B2%D8%AD%D8%B2%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D8%B2%D9%88%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A-----%D9%85%D9%86-%D8%A8%D8%B1%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%AC%D9%88%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D8%AC%D9%8A