«باريس».. الجحيم هو الغرب الرأسمالي

محمد عارف
«الجحيم هم الآخرون»، قال الفيلسوف الفرنسي سارتر في مسرحيته الشهيرة «لا مخرج». وفرنسا اليوم، ومعها الكرة الأرضية، في جحيم الرأسمالية الغربية، كحال أبطال المسرحية الموتى المحكوم عليهم بالعيش في غرفة مغلقة إلى الأبد، يحدق بعضهم ببعض طوال الوقت. الرئيس الفرنسي «أولاند» اعتبر الهجمات في باريس «حرباً يشنها جيش الإرهابيين، وطلب من البرلمان تعديل الدستور ومنحه صلاحيات استثنائية. ومصطلح «جيش الإرهابيين» لا وجود له في القانون الدولي، والدستور نفسه سَبَقَ وعدّلَه الجنرال ديغول خلال حربه ضد الجزائر عام 1958، ونال به صلاحية إعلان «حالة الحصار» التي يمكن خلالها نقل سلطات الشرطة للجيش. وأولاند يذهب أبعد من ديغول، مطالباً بتمديد فترة الطوارئ من 12 يوماً إلى ثلاثة أشهر، ونزع الجنسية الفرنسية عن المحكومين بتهم الإرهاب المولودين في فرنسا. ذكر ذلك «سيلفاين سيبيل» كبير محرري صحيفة «لوموند»، الذي انتقد تجاهل «أولاند» حقيقة أن «داعش» تنظيم سياسي مسلح يستمد قوته من استياء سنّة العراق وسوريا من تجاهل العالم لهم، ولا يمكن دحره إلا بتحقيق السلام وإعمار البلدين.
و«جحيم» باريس بالمقارنة مع «قمة المناخ العالمية» المنعقدة فيها كقصر «الأليزيه» مقارنة بالكرة الأرضية. فمشكلة المناخ العالمي غازات الكربون التي تنبعث من حرق وقود الفحم والنفط، المستخدَمين في النقل والصناعة، وتتراكم كمياته كسقف يحبس حرارة الكرة الأرضية. وتتوقع «هيئة المحيطات والأجواء» الأميركية أن تسجل الحرارة العالمية هذا العام أعلى مستوياتها منذ الثورة الصناعية. بوادر ذلك ذوبان ثلوج القطبين، وارتفاع مستوى البحار، والفيضانات، وأزمات الجفاف، وشح الأغذية والمياه، وتزايد الأعاصير وغيرها من الكوارث الطبيعية.
و100 مليار دولار التي تتعهد الدول الغنية بتقديمها سنوياً لعلاج آثار تغير المناخ على البلدان النامية، مشهد من مسرحية «لا مخرج». فالمبلغ لا يقارن بالأضرار المتوقعة التي «لا تقدر بالمليارات ولا بالتريليونات»، حسب وزير البيئة الهندي. و«قمة باريس» خلافاً لمؤتمري «كيوتو» (1997) و«كوبنهاغن» (2009) الفاشلين «لن تُشرّع اتفاقية جديدة، أو تقر خطط خفض درجات الحرارة بما يكفي، بل تثني المنحنى الحراري»، حسب يانوس بارزاتور، مساعد أمين عام الأمم المتحدة لتغير المناخ، الذي قال أيضاً: «هذا رغم أهميته ليس نهاية المطاف، إنه انعطافة عليها أن تحدد القاع وليس السقف»!
وأبلغ مشهد في قمة باريس مئات الأحذية المصطفة في ميدان «ريبوبليك»، وقيل إنها ترمز إلى المتظاهرين الذين اعتقلتهم سلطات باريس، متعللة بأوضاع الطوارئ. وتفسيري «العراقي» أنها موجهة إلى «الرأسمالية التي لا يمكن أن تنقذنا من التغير المناخي». قال ذلك أغنى الرأسماليين وهو «بيل غيتس» الذي يراهن على العلوم، والتي منحتنا في التسعينيات عالم الفضاء اللبناني الأميركي مصطفى شاهين، الذي غادر الحياة عام 2011، لكن مسباره الفضائي لا يزال الراصد الأساسي لتغير درجات حرارة ورطوبة كوكبنا الأرضي. واليوم «نحتاج معجزة في الطاقة»، حسب «غيتس» الذي أعلن في حديث لمجلة «أتلانتيك» عن رصد ملياري دولار لتحقيق هذه المعجزة. «فالحكومات ليست مؤهلة لتحقيق ذلك، والقطاع الخاص أيضاً غير مؤهل».
وبعد كل ما سبق وأعقب «قمة الأرض» في ريودي جينيرو عام 1992، والتي وضعت أسس اتفاقات المناخ، تُعلَنُ «قمة باريس» باعتبارها «أول خطوة مهمة لتغير المناخ العالمي». وكأننا عدنا إلى «قمة ريو». لم يكن الإنترنت في الاستخدام العام آنذاك، وهرولتُ أسابق بتقريري المتفائل إلى صحيفتي مئات الصحفيين في غرفة الفاكس. وانتبهتُ إلى شاشة تلفزيون «القمة» الداخلي ينقل خطاب أحد وزراء النفط، نافياً الاتفاق على بيان القمة. وكما في خاتمة مسرحية «لا مخرج»، حيث يُسَّلِمُ أبطالُها بأنهم رهناء محبسهم إلى الأبد، فينفجرون بالضحك مرددين: «فلنستَمِرّ»!
تاريخ النشر: الخميس 03 ديسمبر 2015

http://www.alittihad.ae/wajhatdetails.php?id=87323