«غرام براغماتي» رواية عالية ممدوح مرهفــة، مبدعــة، شــاعرية

 صباح زوين

إذا أحببت الروائية العراقية المقيمة في باريس، عالية ممدوح، في كل رواياتها، فلأني أجد في مؤلفاتها ليس فقط متعة القراءة الفائقة، بل أيضا لأنها الكاتبة المميزة في مادتها من حيث تناولها مواضيع متشعبة في الكتاب الواحد، قافزة ببراعة ما بين القضايا السياسية والمشاكل العاطفية والتعقيدات الاجتماعية وصولا إلى مسائل الكتابة وفعلها، فلا تترك شاردة ولا واردة إلا وتتناولها بعمق وذكاء فائقين. متعة قراءتها تنبع من عمق معرفتها وثقافتها من ناحية، ومن ناحية أخرى، فهي تنبع كذلك من براعتها في تركيب الحبكة، هذه السردية الروائية المختلفة.


وما يحثني على هذا الكلام اليوم تحديدا، إصدارها الجديد «غرام براغماتي»، عن دار الساقي، في 220 صفحة من التألق في السرد. قلت لنفسي وأنا في غمرة القراءة، وقبل أن أنتهي من الكتاب، إن «عالية ساحرة». ليست كلمة انفعالية ولا عاطفية. إنها من وحي العمل الراقي الذي قامت به من صفحة إلى أخرى. قلت هذا ببساطة، كلما كتبت عالية ممدوح كلما تألقت. مرهفة، مبدعة، شاعرية، هذه هي لغتها في روايتها الجديدة. بل أكثر من ذلك، هنا عالية ممدوح وصلت إلى ذروة فعل السرد! رواياتها السابقة جيدة، لكن في هذه الأخيرة بلغت أوج الأناقة.
يمكنني ربما أن أقول إن ما توصلت إليه اليوم هو قمة التراكم الجدي والدؤوب لما صنعته مدى سنوات من العمل، لتجد نفسها في هذا الكتاب عند المسك وليس ختامه، ويمكن المسك ان يتسلسل تباعا في تنويعاته.
الحب
إنها رواية غرام بكل ما تحمله الكلمة من معاني، ومعاني الغرام متعددة، أهمها ذلك الانجذاب الصعب والمحاط بعراقيل مزاجية ونفسية كثيرة. إنه الرغبة وعكسها، إنه الخروج عن كليشيهات الحب العادي. يقول بحر لراوية «ترى أين يجب البحث عنك وعني. فأنا إضافي على الحب وأنتِ أيضاً. العشاق كذلك في كثير من الأحيان». بحر اسم ارادته الكاتبة للرجل الذي تحبه راوية، المرأة ـ العاشقة في هذه القصة. بيد أن الأمور لا تنحصر عند ممدوح داخل فكرة جامدة، فكرة «الحب المستحيل» كما درجت في عصر الرواية الغربية الحديثة والتي علكوها حتى التخمة. ممدوح تجاوزت هذا الكليشيه لتبلغ الذروة في جعل العلاقة الصعبة تغريدة فريدة حيث ان العاشقين يتواصلان، ويرغبان أصلاً في التواصل، لكن هذا يحصل فقط عبر أثير الهاتف، عبر «وهم» التدوين، وهما قررا أن يدوّنا مشاعرهما تجاه بعضهما البعض بصورة يومية، كتابة. إشارة أخرى: ممدوح أرادت لهذه المكالمات أن تكون أحادية الاتجاه، أي أن يتصل بحر براوية شرط ألا تجيبه هي، فيبقى لها تالياً، لذة اللذات، أي التسجيل الصوتي لمخابرته، هذا التسجيل الذي تمعن في الاستماع إليه مرات ومرات في ما بعد، دون أن تكون قد تورطت هي في الكلام المباشر معه. بهذا، مع التدوين على الورقة من كلا الجانبين على حدة، ومع الـ«تدوين» الصوتي بشكل أحادي من جهة أخرى، نجد أنفسنا إزاء لغزٍ لعلاقة فريدة وبديعة من حيث هذا التجاذب والتنافر التي اشتغلت عليه الكاتبة بتفنن فائق.
إنما لا تنتهي فصول الإبداع الفريد عند هذا الحد، لأن عالية، بفائق وفائض الرهافة، أدخلتنا إلى عالم فيه من السحر بقدر ما فيه من الفتنة الشاعرية. ما يستوقفني، تلك الصفحات العديدة التي تصف فيها الكاتبة ساعات ودقائق راوية من خلال تفاصيل بيتها التي تضعها في أبهة الاستعداد للقاء العشيق. في لغة ماهرة وغاية في الشفافية، تسرد لنا كيف أخذت تحضّر شقتها بدءاً بالثلمة التي وجدتها في الحائط مرورا بالترتيب الذي فرضته على الخزانة حيث راحت تستعيد ذكرياتها مع الرجال السابقين من خلال هذا الفستان وذاك، وراحت تجمّل الحمام وتدهن الحيطان... إلخ. جزئيات لا أهمية لها لو نظرنا إليها بعين مجردة، لكنها مع عالية ممدوح تأخذ مداها السحري كأنها تبتكر لغة جديدة، حين تقول، على سبيل المثال: «وواقع الحال أننا نولي شؤوننا الحميمة وأجسامنا الملدوغة بالغرام عناية فائقة. فأنا مثلاً أتدخل في شؤونه وثيابه وتفاصيله وأحب شهواته اللطيفة بدءاً من الإبزيم والحزام، الشال، البطانة الرقيقة، الفتحة من الخلف، الفتحة من الوسط، وعلى جنب. التنورة الهفهافة، حمالات الصدر الصغير... كنت أضحك وأنا ألمس وأفرد بيدي جميع تلك الكائنات فأشعر أنني أقف أمام خزانة غرامياتي المتروكة، المهجورة، وهي تشق طريقها إليّ... (صفحة 120). أما في الصفحة 119 فتقول بجمالية كبيرة: «فتحت الخزانة بشيء من الابتهاج. كان دافعي أمام نفسي التسليم التام بأن الثياب هي الأثر الإيروسي الذي يهبّ عليّ الآن وأنا أحمل القمصان، ثياب الحفلات والسهرات، العباءات والهاشميات العراقية المطرزة بالفضة، الأثواب بأكمام مقفلة، والسراويل التي تصل إلى الكاحل كانت تسحبني الى الذروة وأنا داخلها وقبل أن ألفظ اسم ذلك الرجل الذي اغرمت به حتى الجنون. النسيج الحريري المترف، الكتاني، الصوفي، الكشميري...».
هذا هو الغرام الفائق الذي تأتينا به عالية ممدوح التي تألقت في هذه الرواية حيث تحكي لنا عن عشق معقد لكنه غاية في الجمال لأنه كثير الإرهاف. فالحب يترك بصماته على تلك الأزرار والأكمام، وليس الحب تالياً وفقط ذكرى لحم متمرغ باللحم. هذا ما أرادته ممدوح وأتقنت اللعبة! فمن خلال هذه التفاصيل المليئة بالذكريات، من خلالها فحسب يأتي فانتازم الشهوة الجسدية، من خلال «فتحة الأزرار يبدأ بحر بلثمها»... إلخ.
جماليات أنثوية
هذا بالنسبة إلى تدوين راوية، التدوين الذي عبق بجماليات أنثوية من تفاصيل البيت والثياب وكلها تحمل في طياتها أطنانا من الحلم الرقيق المنمنم. أما تدوينه هو، فيحمل في ثناياه مواصفات تميل أكثر إلى شبه «البراغماتية، علماً أن راوية لا تقل «براغماتية» عنه إنما هي تلوّنها بأنوثة غاية في الحساسية. وهنا استطاعت عالية التمييز بين تدوين الرجل وتدوين المرأة، فكان لبحر لغته المختلفة بعض الشيء عن حبيبته، بحيث انه هو حوّل كلامه باتجاه منحى أكثر «تجريداً»، وأعني بالتجريد، عدم دخوله عالم البيت بما يحمله هذا من تفاصيل رقيقة و«أنثوية» و«رومانتيكية» (الرومانتيكية الحديثة وغير الباهتة طبعاً) كالتي رافقت صفحات بوح راوية، إضافة إلى إشارة أخرى مهمة من حيث التمايز بين الاثنين، وهو أن راوية تتكلم عن رجالها السابقين بنوع من ذكرى جميلة مضت، بينما هو نراه متردداً بين راوية وليزا أو كأنه لا يحسم أي موقف ويبقى بين مكانين «وأنا الفار للتو من أمام ليزا وأمامك، بهذا الحاضر الذي أكابد فيه الآن بسبب الفترة المنقضية وأنا أنتظرك فأميل أو أتحول إلى ليزا، أوازن بين نهايتها وبدايتك، بين طوفانك فيّ وفرار ليزا ببلاهة من أمامي وتنصلي منها». فرق ليس بالتفصيل القليل في أي حال، بل هو محطة غاية في الأهمية. لكن ما يبقى من سرده وسردها متجانس الى حد بعيد من حيث القلق والتريث وكبت المشاعر الفياضة داخلياً، وتالياً الكبت في أخذ القرار ثم المماطلة، هو في المجيء اليها وهي في الرد على مكالماته، وهذا ما تفوقت فيه مرة أخرى عالية ممدوح لتقبض بجدارة على سياق الرواية جاعلة منها قصة حب فريدة، يتواصل الحبيبان فيها عبر الغياب والاشتهاء عن بعد! وفي الأثناء، هو يغار عليها من رجال آخرين، وهي تقلق من صيده الكثير، لكن أثناء كل هذا البوح الحميمي، تعمل ممدوح بجاذبية كبيرة على الإضاءة على ماضي الحبيبين، ماضيهما في العراق، هذا البلد الذي لم ينسلخ عن جلدهما مهما طالت اقامتهما في أوروبا، هذا العراق بتناقضاته وقسوته وفي رقته حتى، رقة والدتها ورقة والده، ذكريات حنينية وربما مخيفة يواجهانها بين الحين والآخر، كأن الرواية كلها باختصار، قائمة على الصور. صور الماضي بامتياز. ماضي البلد الأول كما ماضي البلدان الأوروبية التي زارتها راوية في لقاءاتها مع بحر وهي تسمّي المدينة كما تؤرخ الزيارة. هل في كل هذا التأريخ وكل هذه الذكريات الرائعة من الخزانة والملابس إلى أصغر التفاصيل، هل هي موازية لجنون ما كان يترصد الحبيبين؟ قد يكونان على شفير الجنون من الغياب ومن كثرة الغرام وبراغماتيته، بل تحديداً من التناقض الذي يخالجهما، لكن لو تمعنّا أكثر ننتبه إلى أن لهذا الجنون جذورا، فوالدتها انتهت بعقل خرب، ووالده انتهى في مصح للأمراض العقلية! كأن البلد الأصل بخرابه وعنفه المزمن أنتج كل هذا الخراب في تكوين شخصيتين أرادتا الحب بقدر ما ارادتا موتا ما. نوعٌ من الشك في الذات وفي الآخر انتابهما، واللعبة التي اختارتها عالية بلغت الحدود القصوى من العمق والتشريح للذات: «المكان هذا رافقنا بصورة مستديمة فأرى ملامحي في نزواته، وتقاطيعي في تفاصيله. وما إن ابصر وجهي في المرآة أدهش لهذا الذي يسمّى طبق الأصل... حتى وصلنا الى هذا الاستغراق والنفور في ما بيننا» (ص. 177).
وهذا التجاذب والنفور بين الحبيبين (فراوية تقول: «صوتك في الهاتف، أصغي ولا أجيب. أجل، لماذا أفعل هذا يا ترى؟ أريد صوتك تاما يتناقل ويتوزع بين الغبـــار وأرضيـة الخشب والرفوف والثياب والبهارات...». أما هو فيقول:
«عندما تنتهي الدقائق ويتوقف صوتي لا أتذكر ماذا قلت لك...». كل هذا إذاًَ يتصل بما هو أعمق وأصعب، بما هو عقدة ولب هذه العلاقة الجميلة، وهذا الجمال أساسه تلك الفرادة التي ركزت عليها الكاتبة في لعبها على مفهوم المدن المختلفة والتواريخ المتعددة إضافة إلى شيئيات شقتها وكل العناصر تماهت مع دقائق الحب والذكريات المشتتة. لعبة أتقنتها ممدوح عبر مساءلتها اللغة التي من خلالها كان هذا الحب وبواسطتها تطورت هذه العاطفة عندما تقول «نحن لم نضع أي علامة على وجودنا إلا هذه المخطوطة...». وفي مكان آخر يقول بحر «أريد الخروج من هذه المخطوطة سالماً...».
غرام براغماتي، هذا صحيح! براغماتي في التخطيط له من قبل راوية وبحر. عنوانٌ / اسمٌ على مسمّى في كل جوانبه لأن الكاتبة ارتأت أن تكون الحبكة مطابقة للعنوان، فكان كل تحضير وكل استعداد وكل تنفيذ في هذه العلاقة الغرامية على مستوى عال من التنظيم والبرمجة، إنما في حبكة موفقة من حيث الجمالية الأسلوبية، بل الأهم، فالكاتبة رغم كل هذه «البراغماتية»، غمرت الرواية بالكثير والكثير من الرقة والإرهاف والشاعرية والانفعال العاطفي الفياض (رغم تماسكه!). رواية «غرام براغماتي» هي رواية الغرام الفائق من دون مواربة.