جوليان مور: الكتابة الأدبية عمل فرديّ والتمثيل مُحتاج إلى تعاون جماعي

أول «أوسكار» لها كأفضل ممثلة في «تبقى أليس»
نديم جرجوره
«من بين ممثلات هوليوود، هي بالتأكيد أكثرهنّ لغزاً، وأكثرهنّ موهبة أيضاً». هكذا يصف الصحافي الفرنسي فابريس روسّولو الممثلة الأميركية جوليان مور، في مقالته المنشورة في الصحيفة الفرنسية اليومية «ليبراسيون»، بتاريخ 4 حزيران 2011. وصفٌ يكاد يكون الأنسب لشخصية سينمائية تمتدّ حكايتها مع الشاشة الكبيرة على مدى ربع قرن.

ابنة قاضٍ عسكري (الكولونيل بيتر مور سميث) وطبيبة نفسية (آن، المهاجرة الاسكتلندية)، تمتلك خصوصية أن تكون نجمة من دون استعراضات باهتة، وأن تكون ممثلة من دون تخبّط في عشوائية الاختيار أو في متاهة العمل، وأن تكون امرأة من دون أن تفقد رونق سحر غامض يظهر في عينيها، فتنكشف الحكاية على غنّى إنسانيّ يتفوّق، أحياناً، على مهنية التمثيل. في أحد تعليقاتها الصحافية، تقول: «أنا لستُ مشهورةً. أنا ممثلة بكل بساطة». تبتعد عن المجلات الفنية وصحافة الـ «باباراتزي»، لأنها مقتنعة بلا جدوى الغرق في تلك المتاهة المُتعِبة: «ماذا تريد أن يروي هؤلاء عنّي؟ أنا متزوّجة الرجل نفسه منذ نحو 18 عاماً، ولديّ ولدان. هذا كل شيء». (زوجها هو المخرج بارت فروندليتش، ولها منه صبي يُدعى كاليب في الـ 17 من عمره، وصبيّة اسمها ليف هلن في الـ 13 من عمرها).
شخصيات متنوّعة
 الممثلة الأكثر لغزاً وموهبة تظلّ على مسافة من جوائز «أوسكار» الهوليوودية، على مدى ربع قرن ينتهي، ليلة 22 شباط 2015، بانتزاعها جائزة أفضل ممثلة، عن دورها في «تبقى أليس» لريتشارد غلاتزر وواش ويستمورلاند: أستاذة جامعية تُدرّس مادة الألسنية، وأم لـ 3 أولاد تعيش معهم حياة عائلية طبيعية وعادية وهادئة. لكن، هناك أمرٌ غريبٌ يحدث معها. هناك نسيان يُصيبها، وشيء يُشبه فقدان ذاكرة. كلمات عديدة تفلت منها، وأحداث متنوّعة لم تعد تعرفها. شيءٌ يُشبه الانفصال عن الواقع. إنه مرض «ألزهايمر». كيف يُمكن لأليس هاولاند أن تعيش مُصابة بهذا المرض، هي المتمسّكة بمهنة أكاديمية ثابتة وناجحة، والمشرفة على تربية عائلة متماسكة وجميلة؟ «إنه الانفصال عن الواقع». هذا يعني بداية انهيار. عالمٌ كاملٌ من حولها يتداعى، وجوليان مور تأخذ أليس إلى العوالم الداخلية للألم والتوتر والتقوقع، وإلى مخابئ نَفْس تعاني وتقلق وتغيب في دهاليز المرض.
لن تكون شخصية أليس هاولاند أفضل أدوار جوليان مور، المولودة في مدينة «فايّتفيل» في ولاية «كارولينا الشمالية»، في 3 كانون الأول 1960. كثيرون يتذكّرونها في الأجمل منه، والأعمق درامياً، والأوسع التباساً، والأعقد تركيبة نفسية واجتماعية. لن تكون أليس استثناءً، مع أنها تُرافق جوليان مور في حفلة «أوسكار»، وتصعد معها على خشبة «مسرح دولبي» في لوس أنجلوس، وترفع وإياها ذاك التمثال المذهَّب. فاستعادة تاريخ من الأدوار والشخصيات والمضامين الدرامية كفيلةٌ بالتوقّف عند عناوين لا تُنسى: المزاجية المجنونة في «ليبوفسكي الكبير» (1998) للأخوين جويل وإيثان كوين، ممثلة أفلام الـ «بورنو» المدمنة على المخدرات في «ليالي الرقص» (1997) لبول توماس أندرسن (تتعاون معه مجدّداً في العام 1999، في رائعته «مانغوليا»)، العاشقة الساحرة والمرتعدة أمام صديقها المثليّ الجنس في «رجل أعزب» (2009) لتوم فورد. هذه أمثلة. كلارينس ستارلينغ، المحقّقة في «المكتب الفيدرالي للتحقيقات (أف. بي. آي.)»، تطارد الدكتور هانيبال ليكتر (أنتوني هوبكينز) آكل لحوم البشر، في «هانيبال» (2001) لريدلي سكوت. أليس فابيان، إحدى الشخصيات الكثيرة والمتعدّدة للمغني الأميركي بوب ديلان، في «أنا لست هناك» (2007) لتود هاينس. لورا براون في «الساعات» (2002) لستيفن دالدري، تلك المرأة العاكسة شيئاً من تناقض الحياة في أميركا الخمسينيات. أو زوجة الطبيب في «عمى» (2008) للبرازيلي فرناندو ميريلّيس، المقتبس عن رواية بالعنوان نفسه للبرتغالي خوسيه ساراماغو. أما «عمى»، فلن يكون الفيلم الوحيد لها المقتبس عن نصّ أدبي: فـ «الساعات» (2002)، الذي يروي 3 حكايات عن 3 نساء في أزمنة مختلفة لكن أقدارهنّ شبه متقاربة، وتفاصيل عيشهنّ متوازية في سرد مقتطفات من الذاتيّ والعام عن أحوال وحالات ـ إلى جانب شخصيتي الكاتبة الإنكليزية فيرجينيا وولف (نيكول كيدمان) بداية القرن الـ 20، وكلاريسا فوغان (ميريل ستريب) في بداية القرن الـ 21 ـ مأخوذٌ من كتاب بالعنوان نفسه للأميركي مايكل كوننغهام. و «هانيبال» بدوره مقتبس من رواية بالعنوان نفسه للأميركي توماس هارّيس.
قصّة
«لكي أكون صادقة، لم أفكّر بالضرورة في أن أصنع مساراً مهنياً. المسرح والسينما، هذا كلّه موجود لمجرّد استمراري في عالم المتخيّل الذي أوجدتُه عبر الكتب. اليوم أيضاً، ما يثير اهتمامي في فيلم ما، كامنٌ في القصّة التي يرويها. الدور هو أقلّ أهمية من السرد الحكائي الموضوع في مكانه. هكذا أيضاً نُنظّم حياتنا: عبر قصّة ذات بداية ونهاية» («ليبراسيون»، 4 حزيران 2011). تقول جوليان مور كلاماً كهذا، انطلاقاً من رغبة عميقة في ذاتها تأخذها إلى رحاب الأدب. تقول في حوار منشور في مجلة «باراد» (2007): «منذ مراهقتي، أعشق الكتابة كثيراً. أرغب في أن أبدأ مساراً أدبياً في حياتي. هذا تمنّ عزيز جداً على قلبي». برأيها، الكتابة «نشاطٌ يُمكن للمرء أن يُمارسه وحده، من دون أي تدخل خارجي. وهذا على نقيض مهنة التمثيل، التي لا يُمكن أن تتحقّق من دون تعاون جماعي». الكتابة؟ في تشرين الأول 2007، تُصدر جوليان مور أول كتاب لها مخصّص بالأطفال: Freckleface Strawberry. كتاب يرسم وقائع عيش في ظلّ «تهديد» خارجيّ للمرء. فالفتاة الصغيرة، ذات الشعر الأحمر، تعاند قدرها، وتواجه زملاء المدرسة الذين يسخرون من لون شعرها وجسمها. الترجمة الحرفية لعنوان الكتاب هي: «وجه منمّش كالفريز». ترجمة تنتقص من المعنى الحقيقي للعنوان الإنكليزي الفاقع في سخريته. لكن جوليان مور تقول إن هذا التعبير يُساق إليها عندما كانت في الـ 7 من عمرها: «في هذا العــمر نفسه، يبدأ ابني بالقول إن لون شعره لا يُعجــبه. لهـذا، أكتــبُ من أجله، وأروي له حكايتي. أُخبره الحقيقة. أقول له إن التعليقات الساخرة كلّها لا تنتهي بالضرورة عنــدما نكــبر، لكننا لا نعيرها أدنى اهتمام لأن لدينا اهتمامات أخــرى. لأن هناك أموراً أهمّ في الحياة». لم تكتف مور بكتاب واحد. ألحقته باثنين آخرين، والأخير بعــنوان «أفضــل صديق لي إلى الأبد»، يتحــوّل إلى عــمل مســرحيّ مُقــدَّم في «بــرودواي».
الكتابة؟ فعلٌ ذاتيّ محض، وتماهٍ مع النفس، وعزلة تنفتح على آفاق أرحب وأوسع. أما التمثيل، فكتابة من نوع آخر، قد لا تستسيغه جوليان مور كثيراً، مع أنها بارعةٌ فيه إلى أبعد حدّ ممكن. هي ترغب في كتابة أدبية، وتمثّل على الشاشتين الكبــــيرة والصغيرة. لكنها ناشطة أيضاً في مجالات عديدة. تتأسّف على خوض الولايات المتحدة الأميركية حروباً في جبــهات عديدة: «أحياناً، نقول إنه بات لزاماً علينا إعادة التفــكير في برمجــة عملــية التجنيد العسكري، كي يُدرك الجميع أن هنـاك شباناً يموتون كل يوم»، مضيفة: «بالله عليكم، ما الذي نفعله؟».
 
حكاية الفيلم:
أليس هاولاند امرأة متزوّجة وسعيدة وأم لـ 3 أولاد كبار، بالإضافة إلى كونها أستاذة مشهورة في علم الألسنية. لكن، عندما تبدأ نسيان كلماتها ويتمّ تشخيص العلامات الأولى لإصابتها بمرض ألزهايمر، تُفرض على العلاقات القائمة بينها وبين عائلتها تحدّيات قاسية. معركتها من أجل أن تبقى هي نفسها تُعتبر مصدر وحي رائع.
إخراج وكتابة: ريتشارد غلاتزر وواش ويستمورلاند، وهو مقتبس عن رواية ليزا جينوفا.
تمثيل: جوليان مور وألك بالدوين وكريستن ستيوارت وكايت بوسوورث.
تصوير: دوني لونوار.
مونتاج: نيكولا شودوج.
موسيقى: إيلان أشكيري.
إنتاج: «استديو بي. أس. أم.»، وباكآب ميديا»، و»بيغ أندي بيكتشرز».
الميزانية: 5 ملايين دولار أميركي.
الإيــرادات الأميــركيــة بيــن 16 كانــون الثــاني و2 آذار 2015: 12 مليــون و262 ألــف دولار أمـيركــي.

http://assafir.com/Article/1/405667