المشي بقلم الحبر

عقيل عبد الحسين
الأجنبية رواية عالية ممدوح، الصادرة عن دار الآداب العام 2013، لا تخرج في الظاهر عن مناقشة قضية الهوية في ضوء اتساع ظاهرة المنفى، وما يمكن أن تثيره من أسئلة إنسانية وثقافية.
والكاتبة تختار مجموعة من (مشددات) الغربة من بينها اللغة، وتراجع الأمل بأية عودة إلى الوطن.
وعن اللغة  تصف عالية ممدوح علاقتها باللغة الفرنسية فتذكر للقارئ محاولاتها المستمرة المتتالية لتعلم اللغة، التي تعلم جيدا أنها الوسيلة الوحيدة للاندماج في مجتمع المنفى، ولكن من دون تقدم، فهي تخرج من كل محاولاتها بالفشل، وتجد في كل مرة النسيان متربصا بها، فارضا سطوته عليها، لترى نفسها تتعثر بالكلمات وتضطرب في أداء ما تريد أن تقوله من المعاني لتعود يائسة إلى صديقاتها تبكي وتشكو مشكلتها المستعصية بلغتها الأم تلك التي ترفض بشدة أن تترك مساحة في اللسان لغيرها.
أما تلاشي الأمل بالعودة إلى الوطن فهو ما تنقله عبر سرد ارتدادي يعود إلى الماضي ليصف للقارئ ما لها هناك في الوطن من علاقات وقرابات، وكلها ميت أو في حكم الميت، فأمها توفيت، وأبوها كذلك، وزوجها يطلبها عبر المحاكم التي عدتها ناشزة. أما عمتها وجدتها فهاتان تصف علاقتها بهما في أول كتاب الأجنبية وفي آخره. في أوله حين كانت تعيش معهما. وفي آخره تتحدث عن أثرهما فيها، بعد موتهما. وكلتاهما تحولتا إلى أثر في شخصيتها ورواياتها، خاصة العمة التي كانت شخصية من شخصيات روايتها حبات النفثالين. وهي لا تحتاج إلى العودة إلى الوطن من أجلهما لأنهما صارتا جزءا منها ومن منفاها وكتابتها.
وتعتمد رواية الأجنبية، التي تقترح لها الكاتبة تسمية جانبية هي بيوت روائية، على السيرة الذاتية، وما عاشته المؤلفة من حوادث في فرنسا التي وصلت إليها وحاولت الحصول على الإقامة فيها، وتعلم لغة أهلها، والتفاهم معهم، والاندماج في مجتمعهم من دون جدوى، فلم تحصل على الإقامة إلا بصعوبة شديدة، ولم تتعلم اللغة، ولم تتعد صداقاتها النساء العربيات، تقريبا، من عراقيات ومصريات ولبنانيات.
وهي توظف سيرتها، ولا تكتب رواية سيرية، فليس هناك ما يقول ذلك، لتجعلها مادة للتأمل الذي تبنى عليه الرواية، فهذه الأخيرة لا تتابع حوادث تقع لشخصيات متوهمة وتقيم من خلالها عالما فنيا يتضمن موقفا من الثقافة والمنفى والوطن وغير ذلك، ولكنها، على العكس من ذلك، تعمل على تقليص المسافة أو إلغائها أيا كانت بين الكاتب والراوي، أو بين العالم الحقيقي والمتخيل، أو بين التجربة الشخصية وما يمكن أن يكوّن تجارب شخصيات الرواية، أو بين الموقف الذي يمكن أن يقفه الكاتب، أي كاتب، من القضايا الشاغلة، والاستسلام الكامل لتلك القضايا والتصريح بذلك الاستسلام وإقامة السرد والكتابة والذات عليه.. وفي أثناء ذلك كله تقليص المسافة بين الكاتب والقارئ.
السيرة تصير مدخلا مناسبا لإعادة النظر في الذات والتجربة والعالم، ولإنتاج الكتابة التي تمتزج فيها الأمور الثلاثة السابقة، والكتابة التي تدعو القارئ إلى التخلي بدوره عما يجعله أجنبيا عن الكتابة والسرد.
وفي النهاية أستعير لتوضيح كل ذلك ما تقوله الساردة عن خوفها من استعمال القلم الجاف في امتحانات تعلم اللغة الفرنسية لأنها تخاف من الخطأ، وتعرف أنها تحتاج إلى أن تمحو ما تكتب مرات ومرات. وأمام إلحاح المعلمين عليها بأن تكتب بالقلم الجاف تقول: ((كنت أقوم بالاحتيال الكبير... والمشي بقلم الحبر فوق قلم الرصاص حين أتأكد من الجمل)). وهذا ما تقوم به في سرد الأجنبية. إنها تمشي بالسرد على السيرة طامسة أي أثر معلن أو مسافة بين السيرة والرواية، وما يمكن أن ينتج عنهما من تباين في الرؤية والأسلوب والتلقي، فلا هي تضحي بالتجربة، ولا هي تضحي بالرواية، إذ لا وجود لإحداهما من غير الأخرى. الأولى تجعل الكتابة ممكنة، والثانية تجعل الأولى ذات قيمة. وهما معا تشكلان مادة التأمل التي تستدعي الكاتب وتستدعي القارئ اللذين يجعلان الرواية فعّالة بوصفها صورة للعالم، لا صورة عن العالم، أي فعّالة بذاتها، وفي أنها تجعل من مشكلاتنا مادة للجمال والمتعة والتأمل، وسببا مقنعا لتحمل القسوة والإقصاء، وتجعل من عيوبنا الخلقية أو الاخلاقية أو الثقافية، ومن ضعفنا وخوفنا، سببا للكتابة والقراءة وللتلاقي مع الآخرين، وللقبول بهم والشعور بالانتماء إليهم.

http://al-aalem.com/2015/01/04/column/main-column/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%8A-%D8%A8%D9%82%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%A8%D8%B1