»عالية ممدوح تبوح بأسرار «الأجنبية

بقلم   د. صلاح فضل    ٣٠/ ٩/ ٢٠١٤
عالية ممدوح.. روائية عراقية نضجت فى المهجر الفرنسى منذ الثمانينيات، واكتوت بعذاب وطنها عن بعد، فحملته فى رحم الإبداع الذى تجاوز حواجز اللغة، وأصبح مادة معرفية ووجدانية بالغة الثراء. وهى تحكى فى هذه السيرة الروائية، الثامنة فى قائمتها، وعنوانها «الأجنبية» صفحات من كتاب المحنة الداهمة، تبوح بأسرارها المعلنة ومواجدها المكتومة، وتقلصات روحها ولغتها وصورها فى جحيم المنفى المرغوب لا المحبوب، وقلقها المتعثر فى اكتساب لغة غريبة على كينونتها، وحرصها على تنمية خوفها من كل شىء، إلى جانب وله عتيق بالكتابة الوجودية الكاشفة للمسافة الواصلة بين الإبصار والتخيل.
كل هذا فى فصول مكثفة وجيزة تقطر دم الحياة، وتنفث عطر الفن. وميزة الروائيين الذين يتعرضون مباشرة لسيرهم الذاتية باحتراف أنهم لا يرفعون برقع الخيال والحياء مرة واحدة، بل يعرفون بخبرتهم التقنية وحسهم الجمالى كيف يعزفون على الأوتار الشجية بلمسات حاذقة لها خطتها المدروسة فى الافتتاح، و«الكريسندو» هو الذروة، والنغمة الختامية، بما يجعلها تتخطى منطقة الحكى لتصل لأفق الرمز، حيث تكتسب من التجربة وهجها، وتستصفى من الشخصى عنصره الإنسانى النموذجى. تجعل الكاتبة عنوان هذا المقطع الأول «بيت الطاعة» مشيرة إلى الرسالة التى تلقتها من يد القنصل العراقى فى باريس، حيث أخرج من مكتبه ظرفاً أسمر مستطيل الشكل تقول عنه: هذه المظاريف كانت تسمى كاغد، يبعث بها الحاكم والوالى بأوامره للرعية أو لشخص واحد، هى جزء من منظومة الصناعات المحلية، حكمت وتحكم بقطع رأس فلان أو رقبة علان، أو تحدد إقامة، أو من الجائز تكافئ، لم لا؟ الكاغد الأسمر بيد القنصل العراقى، كاغد تونى، قطع الزمان والمكان، وها هو يثير لدى، لدينا جميعاً نحن- أبناء البشر- ارتداءات الكابوسية وعصابية لسنا بقادرين على حمل أوزارها «سيكون هذا الكاغد موجهاً لها من وزارة العدل العراقية، يحمل إنذاراً بضرورة الامتثال لحكم طاعة زوجها الذى نسيته، والعودة إلى الوطن السجن، بيت الزوجية القاهر، بهذا المفتتح الماكر ترسم عالية مطلع المفارقة الكبرى فى الزمان والمكان والبعد الإنسانى الدال، حيث يصبح هنا- على تعثر المأوى الآمن فيه- موئل الحرية والحضارة، و«هناك» عالم قطع الرؤوس والرقاب الممتد منذ العصور الوسطى، ليرعب الجميع، لا الهاربين والهاربات منه فحسب، بل كل أبناء البشرية بامتداداته الكابوسية والعصابية، ولا يكون بوسع المكان الوسيط (بيتهما)- وهو القنصلية- سوى أن يطمئن المطاردين بأنه لن تتم إعادتهم قسراً، أما منطقية الأحكام، فليست موضع مساءلة، فالطاعة للزوج، وهو صورة الحاكم، إذ تهدر مبدأ الحرية والمساواة حاسمة فى الفصل بين الأزمنة والأمكنة والبشر على السواء.
الجمال والكتابة:
تبوح عالية بأن الخوف مما تسميه «اللاجمال» كان باعثها الأساسى للكتابة، فأخوها كان بالغ الوسامة والجمال، حتى إن جدتها كانت تخاف عليه من أخطار ذلك الجمال الفائق، بينما كانت هى «تتمايل من قلة ملاحتها»- على حد تعبيرها- فقد كانت «آنسة يافعة، تريد من الجمال أن يحضر كى لا تبقى وحيدة، فتضمر سوء الفهم الذى لا يزول بسرعة بينها وبين نفسها، هذا هو الإيذاء القهرى الذى كان يتسارع ولا أحد يقدر على التكتم عليه «ثم تحكى بشجاعة رائعة، وأسلوب فاتن، ويقظة وجدانية مدهشة قصة صدمة المواجهة التى وضعها فيها منذ أربعين عاماً شاعر قضى عمره يزعم أنه يدافع عن حرية المرأة، كانت فى بيروت ودعتها بلقيس الراوى، زوجة نزار قبانى، للغداء معهم بحضور محمود درويش، كانت إحدى المجلات قد نشرت حنيئذ تحقيقاً صحفياً عن الكاتبات الجدد، ومن بينهن عالية التى أصدرت مجموعتها القصصية «افتتاحية للضحك» وبجوارها صورتها الفوتوغرافية، فاجأها الشاعر المضيف بقوله:
«ما هذه الصورة المرعبة المختارة بجوار كلامك فى المجلة، لقد ظهرت أسوأ من صورة السياب».. أزعم يومذاك أننى صرت داكنة صموتاً لا أريد أحداً أن يكون معى حتى الجمال نفسه، حينذاك فى غفلة منهم، كانت ملاحتى تتأسس من نفسها ونوعها، ولا تكون محلاً للتداول، أعرف تلك الصورة المنشورة بالأسود والأبيض، مازالت فى أرشيفى الأدبى، ذكرتنى اليوم وأنا أدون هذه الأوراق بما كتبه جان جينيه قائلاً: «إننى إذ أشيد بالمشوهين والممسوخين فلأنهم أنبل من يعبدهم ضعفى»، حسنا، على الجمال ألا ينتظر طويلاً وأنا أنحنى انحناءة خفيفة أمام صحن الطعام، هادئة، لكن أتأرجح ما بين النهوض والبقاء فى مكانى حين أصغيت فجأة لصوت محمود درويش وهو يقول: «لكن بدر شاكر السياب واحد من أجمل شعراء الأرض».
ينتصر محمود بحسه العالى على فظاظة نزار، وأنقذ المبدعة الشابة والشاعر العظيم معاً، وصممت الكاتبة على تأسيس جمالها الخاص، ليشفيها نفسياً وجسدياً وهى تفكك ذلك ليوم باقتدار لافت وزهو محسوب «أزعم أن التأليف هو الذى أصلح ومازال حالى وصحتى، وقوّم تأتأة لسانى بأفضل مما فعلته جميع تجارب الحياة والمعيشة اليومية»، ومع أن الكاتبة بحسها الأدبى الرفيع تنشر غلالة رقيقة من الشك فى واقعية رواياتها لجميع ما حصل من أحداث، وليس فيما دونت من سرديات مخترعة فقط، فإنّ هناك لهباً فى بعض المفاصل يستحيل معه أن تكون متخيلة، ومنها ما يتعلق بالملاحة واللغة والخوف، ولأن الكتابة تتجذر فى اللغة، فقد شكلت أفدح مشكلات عالية فى الغربة الأجنبية، مثلها لا يكتفى من اللغة بطواعية الجمل السائرة، بل تبحث عن المجاز الحائر والعبارات الخلاقة «كنت أجلب لغتى وأصرخ ببنائها وموجوداتها الراسخة الوطيدة الأركان، لكننى ما لبثت أن شعرت بأن قانون الاندماج اللغوى يمثل لى نوعاً من الأذى الجسدى والروحى»، كانت غير قادرة على هذا الاندماج الكلى وهى التى تبدع بالعربية، ظلت تعانى من قسوة الدورات الفرنسية وهى تبذل جهوداً مضاعفة لمجاراة الفتيات والفتيان الآخرين.. «صحيح أننى أكتب بالعربية وأغرم وأعاشر بها أيضاً، أحضر شخصيات رواياتى وتصرفاتها ولا أبددها سدى، لكن باريس تدفعنى لتدريب كائنات رواياتى على فعل الحرية، فكل ما فى هذه المدينة يأخذنى للحرية فأغرق بها رجالى ونسائى كى يخرجن ألسنتهن للعالم، يمشين فى طريق الحرية دون تردد.. تعلم الفرنسية يستنزفنى تماماً، كما هو بلدى، يسحب الدم من عروقى، وما كنت أمتلك الأمان اللغوى، وهذا ما صعب على الأمر كأجنبية» مشكلة اللغة أنها كالوشم الذى لا يزول، تترك نبرة تنتبه الكاتبة لها بحساسيتها الجمالية الفائقة ولا تقوى على تركها وراءها لأنها مناط إبداعها.
محنة الهوية:
يبدو أن الروائى على وجه الخصوص، مهما كانت ميزته النسبية فى الكتابة، لا يستطيع أن يصدق تماماً فى رواية سيرته الذاتية، فكل تمثيلاته الجمالية للآخرين تنبثق من أعماق ذاته حتى وهو يصور ما لا يتشارك فيه معهم، فالألوان والكلمات والمشاعر من صنعه، تحمل عطره وبخره، تجسد فى النهاية رؤيته للحياة، لكنه عندما يخضع لحظة حميمة من تجربته الخاصة للتحليل بمجهر السرد لا يلبث أن يجعل من نفسه نموذجاً موضوعياً، يعرى الإنسان فيه يتبرع بأعضائه كى يسعفنا بالفهم والمعرفة. هكذا عندما تصف لنا الكاتبة باستفاضة تجربتها فى إثبات شخصيتها فى باريس، لأن القنصلية العراقية رفضت تجديد جواز سفرها حتى تأتى بالأوراق الثبوتية الأصلية من بغداد وليس فى مقدورها ذلك، عندئذ تتفجر مشكلة الهويات القاتلة، وزيف المعارف والصداقات العارضة، وقسوة البيروقراطية الفرنسية مثل العربية، وأهم من ذلك ضراوة الخوف الذى يخلع قلوب الغرباء لافتقادهم الأمن الوجودى لا اللغوى فحسب، يجتهد المحامى الفرنسى الحاذق فى ابتكار وسيلة بديلة بإشهاد شهود يعرفون الكاتبة، تتساقط أمامها الأسماء التى عاشرتها حتى تجد بصحبتها ثلاث رفيقات، لا رجل بينهن، تكاد تستعين بمخلوقاتها الإبداعية التى صنعتها فى أعمالها المختلفة، فهى تبدو بلا أسانيد قانونية ولا مرجعيات سوى هذه الروايات التى كتبت واستقرت ببنيتها وشخوصها، ولغتها ومصائرها فيها وثقت حقبة من ستينيات القرن الماضى من العراق فى «النفتالين» وفى سبعينيات القرن وحزب البعث الحاكم وعرس الوادية بين البعثيين والشيوعيين فى «الغلامة» وفى الهجرة واقتلاع الولد والوالدة فى «الولع»..
كانت رنا إدريس قد زودتنى خطاباً بالفرنسية مهما وحاسما عما كان يصلها من أقاويل مضادة بعد نشرها رواية «التشهى» فصورتها وضمنتها للملف الثمين الذى سيقدم للسلطات الفرنسية» وعندما جاء دورها لتقدم هذه الأوراق، ووقفت فى الطابور الطويل أمام كاتب العدل افتقدت المحامى الذى ضاع وجهه فى الزحام وكأنها تبحث عن عقلها المشتت، حينئذ هبت عليها نسمة سخرية عندما تذكرت مسرحية عادل إمام «شاهد ماشفش حاجة» «كنت أحاول الابتسام حين كدت أسأل الرجل الذى أقف وراءه: أنا اسمى مكتوب.. أيوه مكتوب طييب» فيتراءى لنا فى هذه اللفتة المرحة أننا إزاء جحيم البيروقراطية ذاته، وهى تقدم برهانا على عراقيتها وعروبتها المشوبة بالنكهة الفنية المصرية، ولا يكون رفض طلبها بعد انتظار مرير سوى الجرعة المأساوية التى تكشف محنة الأجانب مع هوياتهم وهم يتقلبون فى حجرة الترصد والخوف والقلق. حتى بعد إخطارها عقب تجديد جواز سفرها بشهامة قنصل مثقف بقرب حصولها على بطاقة تجديد الإقامة، يسقط قلبها بين قدميها مرة أخرى، عند استدعائها لإعادة توقيع الأوراق بقلم أسود اللون. أما قاع هوية العراقى وثمالة شخصيته التى لا تتردد عالية ممدوح فى تجسيدها بقوة عارمة فهى تعبر عنها قائلة: «ما شأن العراقى بجميع الطوائف والمذاهب؟ تلك أبدية لا علاقة له بها، تلك تنقش الموت وهو لا يريد إلا هذه الدنيا، خطوة واحدة جميلة طبيعية.. تصدق القول يقولها العراقى ولا يكذب فيها أبداً: الخمر هى عنده نشيد الأناشيد وأصل الملاحم والسير، وهى مرارة تعاقب الحضارات، يقيس بها العراقى المثل الأعلى وتعدد السلالات بعدد الأقداح.. هى معجزة العراقى الذى لو هشم هيكله العظمى لسال منه شراب الجنة، لا أحد يتداخل لديه الكفر بالورع كالعراقى.. هو مزيج من الدم والخمر، من الرقص والقتل، من العنف والشهوة.. مازلت أجد سطوراً أبلغ ولا أصدق ولا أوجع من هذا التوصيف البارع للشخصية العراقية، تشهد بأن عالية ممدوح قد بلغت ذروة الجمال فى إبداعها الشجاع، مثل عظماء الشعر فى بلدها.

http://today.almasryalyoum.com/article2.aspx?ArticleID=439269&IssueID=3369