English site www.aliamamdouh.com

أوسكار وايلد عبقري حارب المجتمع الفيكتوري بأدبه و"مثليته"

اشتهر في أعماله الأدبية التي تشمل القصة والشعر والنقد والمقال والمحاضرات وقصص الأطفال بحكمته العميقة وسخريته الذكيّة

صلاح أحمد كاتب وروائي

في مثل هذا اليوم، 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 1900، أسدل الستار على حياة الكاتب الإيرلندي أوسكار وايلد المعتبر من الأعمدة التي يقوم عليها التراث الأدبي الإنساني. كاتب اشتهر بحكمته العميقة وفكاهته وسخريته الذكيّة في العديد ممّا أنجز من أعمال أدبية تشمل القصة والشعر والنقد الأدبي والمقال والمراسلات والمحاضرات وقصص الأطفال، مع كم هائل من الأقوال المأثورة.

كانت السنوات من 1888 حتى 1895 الفترة التي ضخّ فيها وايلد معظم كتاباته الرئيسية إثر رواج أول إصداراته (للأطفال) "الأمير السعيد وقصص أخرى" وتابعه "بيت الرُمّان". وهي الفترة التي كتب فيها مسرحياته الرئيسية مثل "مروحة السيدة وندرمير" و"زوج مثالي" و"سالومي" (كتبها ونشرها بالفرنسية قبل أن يترجمتها إلى الإنجليزية) و"أهمية أن يكون الإنسان جاداً/ إيرنست" وروايته الوحيدة الغوطية المرعبة "صورة دوريان غراي".

اليوم يشتهر وايلد خصوصاً بأمرين، هما عبقريته الأدبية ومثليته التي أخمدت نار هذه العبقرية. أما في موازينه هو، فقد كانت الاثنتان سلاحين لا غنى عنهما في حربه الشخصية على التركيبة الاجتماعية – الأخلاقية التي ينهض عليها مجتمعه الفكتوري.

على صعيد الإنتاج الأدبي يشتهر وايلد بعملين هما روايته "صورة دوريان غراي" المنشورة في 1890، ومسرحيته الهزلية الساخرة (من المجتمع الفكتوري) The Importance of Being Earnest (1895). وقد صارت ترجمة عنوان هذه الأخيرة إلى اللغات الأخرى مشكلة حقيقية بسبب ازدواجية المعنى في كلمة Earnest . فهي من جهة اسم علم هو "إيرنست"، وفي الوقت نفسه صفة تعني "الجاد الهميم". لذا الترجمة العربية (أهمية أن يكون الإنسان جاداً) تضيّع التلاعب اللغوي المتعمّد في تلك الازدواجية، وإن كانت هذه أيضاً المشكلة في ترجمة ذلك العنوان للسواد الأعظم من اللغات الأخرى غير العربية.

على أن ما يميّز سيرة وايلد عن بقية المبدعين في عصره (على سبيل المثال برام ستوكر مؤلف "دراكيولا" وجورج بيرناد شو والتشكيلي الفرنسي بول غوغان) هو أنه عاش حياة تصلح في حد ذاتها مادة لرواية مشوّقة فيها صعود إلى القمة وسقوط منها والكثير المثير من الدراما بين هذا وذاك لأنها تتعلق بأحد المحرّمات الاجتماعية وهو "الفحش الجسيم".

المتمرد

ما لا شك فيه أن وايلد كان سابقاً لعصره الفكتوري ذات التقاليد الاجتماعية الصارمة وخطوطه الحمر الطويلة. لذا فقد رأى أن من المحتم عليه أن يتحدى الوضع القائم ويتمرد عليه مسلحاً بأعماله الأدبية وبما يعتبره حقاً طبيعياً من حقوقه الإنسانية. ساعده في مهتمه هذه أن إنتاجه وجد رواجاً هائلاً بسبب إمساكه بناصية اللغة وما احتوته منشوراته من حقائق ومنطق مغلفين بالفكاهة والسخرية لا تخفى حتى على أنصاف المتعلمين. ومن القضايا التي تصدى لها وضع المرأة، فنادى بتغييره من مختلف المنابر. في هذا الصدد سعى بنجاح إلى رئاسة تحرير "عالم السيدات – مجلة للمجتمع والموضة" فأحدث تغييرين، الأول تغيير كلمة "السيدات" إلى "النساء" (لكي تصبح للعامة وليست لأهل المخمل فحسب)، وثانياً، دفع بقسم الأزياء والموضة إلى الصفحات الأخيرة وجعل بقية أقسامها كتابات تنويرية وأدبية.

ومع أن وايلد سعى بنشاط واضح إلى تغيير مجتمعه عبر كتاباته، فقد كان مناصراً لمفهوم "الفن من أجل الفن" l'art pour l'art التيار الفكري الفرنسي الذي ساد منذ بدايات القرن 19 وكان يقول إن الفن الحقيقي هو ذلك المنعتق بالكامل من أي وظيفة أخلاقية أو تطبيقية أو منفعية ويتعين أن لا يقاس إلّا بمعاييره وقيمه الداخلية. والأغلب أن تبريره هذا الأمر كان ينبع من اعتقاده أن الفن الراقي قادر على التغيير وإن لم يتعمد ذلك في المقام الأول.

وايلد المثلي

الثابت في سيرة وايلد أنه كان مثلياً على الرغم من زواجه وإنجابه ولدين. أما أشهر علاقاته المثلية فقد كانت مع اللورد ألفريد دوغلاس الذي كان طالباً في أوكسفورد عندما هام به وايلد في 1893 بعد سنتين من صداقة حميمة مع فارق السن الكبير بينهما. علاقة حب جارف شبه علنية أغدق فيها وايلد على دوغلاس أكثر مما كان يغدقه على زوجته. ومن الأعراض الجانبية لهذه العلاقة أن دوغلاس، الذي كان فتى مدللاً عابثاً ماجناً، أغرق وايلد في عالم لندن السفلي. فصار هذا الرجل شخصين يتحركان في دائرتين متباعدتين: إحداهما دائرة الأدباء والكتاب والمفكرين في برجها العاجي المُضاء دائماً، والثانية دائرة سقط المتاع من الأميين وأشباه المتعلمين في كهوفها المظلمة بالضرورة.

والواقع أن وايلد لم يأل جهدا خاصا لإخفاء طبيعة علاقته مع دوغلاس، على الأرجح من باب تحدي المجتمع والطعن في قوانينه وأعرافه الأخلاقية، لأنه كان يعتبر الجريمة شكلا من أشكال النضال الهادف للتغيير. وبوسع القارئ أن يجد هذا التمجيد بسهولة في مجموعته "جريمة اللورد آرثر سافيل وقصص أخرى". ولهذا فقد نما أمر العلاقة المثلية الى مسامع والد الصبي السير جون دوغلاس، ماركيز كوينزبري (الاسكتلندي غريب الأطوار الذي وضع قواعد رياضة الملاكمة للهواة). فتوجه إلى نادي وايلد اللندني الراقي وترك له بطاقته الشخصية معنونة "إلى اوسكار وايلد اللواطي المجاهر".

ورداً على ذلك قرر وايلد أن يرفع دعوى قذف على الماركيز، مطمئنّاً إلى أن سمعة هذا الأخير السيئة هي أفضل سند له – وهو الأديب الشهير المحترم – في قضيته. ومع أن أصدقاءه المقربين نصحوه بتجاهل الإساءة حفاظاً على سمعته، فقد مضى قدماً في دعواه.

كانت الدعوى في (1895) خطأ حياته الأكبر لأن حيثيات المحكمة سلطت الضوء على مثليته وهزّت صورته أمام الناس. وقادت هذه القضية – التي خسرها وايلد – إلى قضيتين أخريين وقف فيهما وايلد متهماً بـ"الفحش الجسيم". وكانت المحاكمات الثلاث – في محكمة الأولد بيلي الشهيرة - هي "دراما القرن" في مجتمع يقدّس الفضيلة نهاراً ويطعنها ليلاً. وقد آلت المحاكمة الثانية إلى انقسام هيئة المحلفين وتبرئة وايلد، لكن الثالثة، التي ركّزت على تورط وايلد في عالم الدعارة الرجالية - انتهت بإدانته والحكم عليه بالسجن مع الأشغال الشاقة.

يورد مؤرخون أن المجتمع الفكتوري كان سيغفر له مثليته مع شخص من علية القوم، لكنه لم يغفر له انحداره إلى العلاقة المدانة مع السوَقة والدهماء في عالمهم تحت الأرضي. ومع أن زواجه لم يتنهِ بالطلاق بعد إدانته، فقد انفصلت عنه زوجته وأجبرته على التخلي قانونياً عن أبوّته لابنيه، وغيّرت اسم العائلة إلى هولاند بدلاً من وايلد.

مع إطلاق سراحه في 19 مايو (أيار) 1897، سافر في اليوم نفسه إلى منفاه الاختياري في فرنسا ساعياً إلى اعتناق الكاثوليكية والانخراط في صفوف "جمعية المسيح" في الفاتيكان لكن طلبه رفض بناء على سجلّه الأخلاقي. وفي باريس عاش في فقر مدقع حتى مماته في 30 نوفمبر 1930 بمضاعفات الالتهاب السحائي.

بطاقة شخصية

ولد اوسكار فينغال فلاهيرتي ويلز وايلد في 16 أكتوبر (تشرين الأول) 1854 في دبلن بمنزل في ويستلاند رو (صار الآن جزءاً من كلية ترينيتي الجامعية باسم "مركز أوسكار وايلد") لأبيه الطبيب الجرّاح السير وليام وايلد وأمه الكاتبة الشاعرة جين. وعلى الرغم من أن أسرته أنغليكانية، عمّدته والدته - المتحدّرة من مهاجرين إيطاليين مجدداً في الكنيسة الكاثوليكية مع أخويه. وربما كان هذا هو السبب في أن أوسكار – في كبره – وضع قدماً على عتبة الكنيسة الكاثوليكية وكاد يدخلها لولاً أنها رفضته. لكن الأثر الواضح الذي تركته فيه والدته هو زرعها حب الشعر والآداب. عموماً عاش أوسكار طفولة سعيدة مع شقيقه الأكبر، ويلي، وشقيقته الأصغر إيزولا (وثلاثة إخوة غير شرعيين لأبيه قبل زواجه من جين). على أن وفاة شقيقته في سن الثامنة تركت في نفسه جرحاً عميقاً عبّر عنه في زياراته الكثيرة قبرها وفي قصيدة شهيرة بعنوان Requiescat (ترحُّم) وجاء فيها:

Tread lightly she is near

Under the snow

Speak gently she can hear

The daisies grow

All her bright golden hair

Tarnished with rust

She that was young and fair

Fallen to dust

(خفّفِ الوطء فهي قريبة تحت الثلج/ اهمسْ برفقٍ إذ بوسعها سماعُ نمو الأقحوانة / شعرها اللألاء علاه الصدأ/ فقد سقطت هذه اليافعة الجميلة إلى التراب).

كان بيت الأسرة صالوناً علمياً وأدبياً شهيراً اجتذب - بسبب مهنة الأب الطبية وتوجهات الأم الأدبية – علية القوم من العلماء والأدباء وصنّاع القرار في مختلف المجالات. وقد تلقى الطفل أوسكار - حتى سن التاسعة - تعليماً شمل اللغة الفرنسية من ممرضة أبيه والألمانية من مربيّة اختيرت خصيصاً لهذا الغرض. وبعد دخوله المدرسة برز أكاديمياً وزعم أنه كان قادراً على قراءة أي كتاب صفحتين صفحتين بدلاً من صفحة صفحة وقراءة مجلد من ثلاثة كتب في ما لا يزيد عن نصف الساعة. مهما يكن من أمر فقد برع في الكلاسيكيات الإغريقية واللاتينية قادراً على ترجمة نصرصها ترجمة فورية. فأتاحت له مواهبه الالتحاق بكلية ترينيتي في دبلن التي أثبت فيها تفوقاً مدهشاً فتح له الطريق إلى جامعة أوكسفورد حيث تخصص في الكلاسيكيات الإغريقية. في هذا الجو راقت له الماسونية فانخرط في صفوفها وارتقى سلّمها، لكنه بدأ أيضاً مشوار تمرّده الشخصي الكاسح على المؤسسة الاجتماعية الفكتورية بأكملها، وهو عصيان ظل يتّقد فيه حتى مماته وكان هو الدينامو المحرك لسائر إبداعاته الأدبية التي أنجز معظمها في منزله في حيّ تشيلسي اللندني الفاخر الذي استقر فيه. هنا، في 1884، تزوج مواطنته الإيرلندية الكاتبة الارستقراطية كونستانتين لويد التي أنجبت له سيريل (1985) وفيفيان (1886) وجردّته لاحقاً من أبوّتهما بسبب علاقاته المثلية.

https://www.independentarabia.com/node/172421/